الباب الثالث. العناية الإلهية للرجعى و الإصلاح تحت قيادة يسوع
في البداية كان على آدم أن يسود الملائكة (كورنثوس الأولى ٦:٣)، و لكن بسبب هبوطه، صار البشر تحت سيطرة و تحكم الشيطان و صنعوا عالم الجحيم. لكي يُصَْلحْ ذلك و يُسْتَرْجَعْ بواسطة التعويض و الكفارة، جاء يسوع كآدم الثاني لكي يخضع بنفسه الشيطان و يؤسس مملكة السماء. لكن الشيطان الذي لم يخضع حتى لله، لن يكون مستعدا للخضوع ليسوع و المؤمنين. لذلك، بتحمله مسئوليته في خلق الإنسان، أقام الله يعقوب و موسى و كشف من خلالهما المسار النموذجي الذي به يستطيع يسوع إخضاع الشيطان (موسى و يسوع ١:١).
لقد سار يعقوب في المسار الرمزي لإخضاع الشيطان، بينما سار موسى في مسار الصورة. لقد مهد مساراهما الطريق ليسوع لكي يسير في المسار الفعلي. في مسيره في المسار العالمي لإصلاح و استرجاع كنعان، اتبع يسوع النموذج الذي وضعه موسى في المسار القومي لاسترجاع كنعان عندما كان موسى يعمل لإخضاع الشيطان.
قال الله لموسى «أقيم لهم نبيا من وسط أخوتهم مثلك و أجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به» (تثنية ١٨:١٨). بقوله «نبيا مثلك» كان الله يشير إلى يسوع الذي سيسير نفس المسار الذي فيه موسى. عندما قال يسوع «إن الإبن لا يقدر أن يفعل شيئا من تلقاء نفسه بل يفعل ما يرى الأب يفعله فكل ما يعمله الأب يعمله الإبن كذلك» (يوحنا ٥:١٩). و هذا يعني أن الله قد كشف عن المسار النموذجي بواسطة موسى، و أنه يسير على خطى موسى.
لندرس عناية الله للرجعى و الإصلاح و المرتكزة على يسوع، و نجري المقارنات المناسبة بين المسارات القومية الثلاث لاسترجاع كنعان تحت قيادة موسى، و المسارات العالمية الثلاث لاسترجاع كنعان تحت قيادة يسوع.
٣-١ المسار العالمي الأول لاسترجاع كنعان
٣-١-١ قاعدة الإيمان
في المسار العالمي الأول لاسترجاع كنعان، كان الشخص المركزي المكلف بمهمة إصلاح و استرجاع قاعدة الإيمان هو يوحنا المعمدان. من أي موقع كان على يوحنا أن ينجز هذه الرسالة ؟
في المسار الوطني لاستعادة كنعان تحت قيادة موسى كسر موسى الألواح و ضرب الحجر مرتين. وضع ذلك شرطا و سببا للشيطان ليضرب جسد يسوع الذي هو تجسيد الألواح و الحجر أو الصخرة إذا لم يؤمن به يهود زمانه.
لكي يتحرر يسوع من ذلك الوضع و الشرط، على الشعب المختار المكلف بمهمة الإعداد لمجيئه أن يتحد حول الهيكل، الممثل الرمزي للمسيح الآتي. و لكن عبر السنين سقط الإسرائيليون مرات و مرات في عدم الإيمان، و بذلك خلقوا شروطا و ظروفا للشيطان كي يهجم على يسوع. لإزالة تلك الظروف و الشروط، أرسل الله إيليا النبي. لقد عمل إيليا للانفصال عن الشيطان بهزيمته لأنبياء بعل و عشتاروث، و كان عددهم ثمانمائة و خمسون في المجموع (ملوك الأول ١٨:١٩)، ثم صعد إلى السماء (ملوك الثاني ٢:١١). لكن إيليا لم يكمل كل مهمته، كان عليه أن يعود (ملاخي ٤:٥). كان يوحنا المعمدان هو النبي الذي عاد في مكان إيليا (متى ١١:١٤؛ ١٧:١٣) لكي يكمل تلك المهمة للانفصال عن الشيطان و يجعل سبل الرب مستقيمة (يوحنا ١:٢٣).
لقد عانى الإسرائيليون من مصاعب عظيمة في مصر لمدة أربعمائة سنة بدون نبي يقودهم. و أخيرا التقوا بموسى، الرجل الذي يستطيع أن يقودهم إلى كنعان كأمة استعدادا لمجيء يسوع. بنفس الطريقة فقد عانى اليهود من مصاعب عظيمة تحت سيطرة الأمم الوثنية مثل فارس و اليونان و مصر و سوريا و روما بدون نبي يقودهم خلال الأربعمائة سنة الأخيرة للاستعداد لمجيء المسيح، و التي بدأت بأيام النبي ملاخي (الفترات ٣-٦). و أخيرا التقوا بيوحنا المعمدان، الرجل الذي يمكنه أن يقودهم إلى المسيح، و الذي سيأتي لاسترجاع كنعان على مستوى العالم.
عليه، فإن يوحنا المعمدان، مثل موسى، أختير على أساس الأربعمائة سنة للانفصال عن الشيطان. لقد تعلم موسى أن يحب أخوته و تقاليد الآباء، و هو يعيش في قصر الفرعون. كذلك فقد تعلم يوحنا طريق الإيمان و طاعة السماء و استعد للمسيح و هو يأكل الجراد و العسل البري في البرية. لقد كانت حياته نموذجية حتى ظن الكثير من الناس، بمن فيهم الكهنة اللاويين، أنه ربما يكون المسيح (يوحنا ١:١٩؛ لوقا ٣:١٥). بذلك يكون يوحنا المعمدان قد نجح في تأسيس قاعدة أربعينية للانفصال عن الشيطان، و تمكن من وضع قاعدة الإيمان للمسار العالمي الأول لاسترجاع كنعان.
٣-١-٢ القاعدة الجوهرية
بما أن يوحنا المعمدان يقف في نفس مقام موسى، فإنه يقف كذلك في مقام ثنائي كأب و كابن. من مقامه كأب استعاد بواسطة التعويض قاعدة الإيمان. من مقامه كابن أمّن مقام هابيل لإنجاز شرط التعويض لإزالة الطبيعة الهابطة (موسى و يسوع ٢-١–٢). لقد استعاد يوحنا المعمدان قاعدة الإيمان على مستوى العالم بالمقارنة بموسى عندما وضع قاعدة الإيمان للمسار القومي الأول بعد أربعين سنة في قصر الفرعون.
في أيام موسى، كانت الرغبة الإلهية عند ضربة البداية هي أن يثق الإسرائيليون في موسى عندما رأوه يقتل المصري. بعد ذلك عليهم أن يغادروا مصر و يرحلوا إلى أرض كنعان. في زمن يوحنا المعمدان، لا يحتاج الإسرائيليون أن يغادروا الدولة الرومانية و يرحلوا إلى ارض أخرى. كان عليهم أن يبقوا في داخل الدولة الرومانية و يتغلبوا على أهلها بإرجاعهم إلى جانب الله. لقد نفذ الله ضربة البداية بتشجيعه لليهود للإيمان بيوحنا من خلال المعجزات التي صاحبت مولده.
و أمه حامل به، أعطى الملاك نبوءة عجيبة عن يوحنا. عندما لم يصدق أبوه زكريا تلك النبوءة، صار ابكما، لم يتكلم إلا بعد طهارة الطفل و تسميته. من خلال تلك المعجزات و غيرها اقتنع الإسرائيليون بأن يوحنا نبيا أرسله الله: فاستولى الخوف على جميع الساكنين في جوراهم، و صارت هذه الأمور موضوع الحديث في جبال اليهودية كلها، و كان جميع السامعين يضعونها في قلوبهم قائلين: «أترى ماذا يكون هذا الصبي؟» فقد كانت يد الرب معه (لوقا ١:٦٥-٦٦) علاوة على ذلك، عاش يوحنا في البرية حياة مثالية، مليئة بالصلوات و التجرد و الزهد، يأكل الجراد و العسل البري. و قد احترمه عامة الشعب حتى الكهنة، لدرجة أنهم ظنوا أنه قد يكون هو المسيح (لوقا ٣:١٥؛ يوحنا ١:١٩).
عندما أكمل موسى الكفارة و التعويض لمدة أربعين سنة في قصر الفرعون و قتل المصري، كان يجب أن يكون ذلك الحدث مصدر إلهام للإسرائيليين، لأنه دليل حبه لهم فيتبعوه بإيمان. لو فعلوا ذلك لساروا إلى أرض كنعان في طريق مستقيم و مباشر، دون الحاجة لعبور البحر الأحمر أو التيه في البرية. و بدون الحاجة للألواح أو تابوت العهد أو خيمة الاجتماع. كذلك في زمن يسوع، كان على الإسرائيليين أن يؤمنوا و يتبعوا يوحنا المعمدان الذي أقامه الله بالمعجزات و الآيات كمركز لإيمانهم. و بذلك يحققون شرط التعويض لإزالة الطبيعة الهابطة و يضعون القاعدة الجوهرية، و بذلك يضعون القاعدة لمجيء المسيح.
٣-١-٣ فشل المسار العالمي الأول لاسترجاع كنعان
لقد وقف الشعب اليهودي على قاعدة الإيمان التي وضعها يوحنا المعمدان و اتبعوا يوحنا و كأنهم يتبعون المسيح (يوحنا ١:١٩؛ لوقا ٣:١٥). و بذلك وصلوا بالعهد القديم إلى نهايته و صاروا مستعدين للشروع في مسار جديد لاسترجاع كنعان العالمية. و لكن، كما شرحنا سابقا (المسيح ٢)، ظل يوحنا المعمدان يحمل شكوكا تجاه يسوع بالرغم من أنه قد شهد له. لقد أرسل وفدا ليسال يسوع «أأنت هو الآتي أم ننتظر آخر» (متى ١١:٣). لقد نفى أنه إيليا بالرغم من أنه جاء ليحقق رسالة إيليا (يوحنا ١:٢١). لم يسد يوحنا الطريق أمام اليهود إلى يسوع فقط، بل قادهم إلى معارضته.
و بذلك غادر مقام هابيل و حرم الشعب اليهودي من الشخص المركزي الذي عن طريقه يمكنهم أن يحققوا شرط التعويض و الكفارة لإزالة الطبيعة الهابطة. هذا قد سد الطريق عليهم لإكمال القاعدة الجوهرية أو القاعدة لمجيء المسيح. بالتالي أجهض المسار العالمي الأول لاستعادة كنعان. و كما حدث في زمن موسى تأخر و امتد لمسار ثاني و ثالث.
٣-٢ المسار العالمي الثاني لاسترجاع كنعان
٣-٢-١ قاعدة الإيمان
٣-٢-١-١ يسوع يقوم بمهمة يوحنا المعمدان
بالمقارنة مع يسوع، آدم الكامل، فقد جاء يوحنا المعمدان في دور آدم المستعاد، الذي عليه أن يؤسس القاعدة لمجيء المسيح، و بذلك يكمل كل المهام غير المكتملة التي تركها الأشخاص المركزيين في الماضي، أولئك الذين كافحوا لاسترجاع و إصلاح قواعد الإيمان و القواعد الجوهرية. على هذا الأساس، كان عليه أن يقدم كل ثمرة تاريخ العناية الإلهية إلى يسوع، و يقود الشعب اليهودي، الذي يثق فيه و يتبعه، ليستقبل يسوع. و أخيرا، كان عليه هو نفسه أن يخدم يسوع بإيمان و إخلاص.
حتى و إن لم يعلم يوحنا المعمدان ذلك، فإن تعميده ليسوع في نهر الأردن (متى ٣:١٦)، هو في الحقيقة مراسم قدم فيها يوحنا إلى يسوع كل إنجازاته طوال حياته التي بذلها من أجل الإرادة الإلهية.
رغما عن ذلك، و بسبب أن يوحنا بدأ تدريجيا يشك في يسوع إلى أن قوض عمله، جعل ذلك الشعب اليهودي، الذي يثق في يوحنا، مدفوعا إلى عدم الإيمان بيسوع (المسيح ٢-٢). و بالتالي دخل الشيطان إلى قاعدة الإيمان للمسار العالمي التي وضعها يوحنا. بعد ذلك كان علي يسوع نفسه أن يقوم بمهمة يوحنا المعمدان، و يصلح عن طريق الكفارة و التعويض قاعدة الإيمان لكي يبدأ المسار العالمي الثاني لاسترجاع كنعان. عندما صام يسوع أربعين يوما في البرية. كان ذلك من أجل فصل الشيطان لكي يضع قاعدة الإيمان. لأجل ذلك نزل لكي يلعب دور يوحنا المعمدان.
إن يسوع الذي جاء كابن الله الوحيد و رب المجد ما كان ينبغي أن يسير في طريق المعاناة (كورنثوس الأولى ٢:٨)، إنما ذلك هو يوحنا المعمدان الذي ولد و رسالته هي أن يمهد الطريق ليسوع (يوحنا ١:٢٣؛ لوقا ١:٧٦)، و يسير خلال تلك المحن. و لكن لأن يوحنا لم يقم بمسئوليته، كان على يسوع أن يسير في درب المعاناة بديلا ليوحنا. لقد طلب يسوع من بطرس ألا يكشف للشعب اليهودي عن أنه هو المسيح (متى ١٦:٢٠) لأنه، بالرغم من أنه هو المسيح، فإنه يلعب دور يوحنا من أجل بداية هذه المرحلة من العناية الإلهية.
٣-٢-١-٢ يسوع يصوم أربعين يوما و يجرب ثلاث مرات في البرية
دعونا نبحث في الأسباب البعيدة و القريبة من وراء صيام يسوع أربعين يوما و تجاربه الثلاث.
في المسار القومي لاسترجاع كنعان، عندما وقف موسى أمام الصخرة، فقد إيمانه، و ضرب الصخرة مرتين. نتيجة لذلك،دنس الشيطان الصخرة، التي ترمز ليسوع، (كورنثوس الأولى ١٠:٤). هذا الفعل أكد احتمال أن يهاجم الشيطان يسوع، الذي يجسد الصخرة، عندما يأتي بعد قرون و يسير على خطى موسى، في حالة فقدان يوحنا لإيمانه. كذلك أكد سلوك موسى احتمال أن يدخل الشيطان إلى قاعدة الإيمان التي وضعها يوحنا المعمدان. لذلك، كان ضرب موسى للصخرة مرتين هو السبب البعيد لفقدان يوحنا إيمانه و إجبار يسوع على المعاناة أربعين يوما من الصوم و مواجهة التجارب الثلاث في البرية من أجل استرجاع و إصلاح قاعدة الإيمان.
حقا لقد فقد يوحنا إيمانه (المسيح ٢:٣) و دخل الشيطان لقاعدة الإيمان التي وضعها. هذا هو السبب المباشر لقيام يسوع بإنجاز فترة أربعينية للانفصال عن الشيطان بصيامه أربعين يوما، و تغلبه على التجارب الثلاث. بفعله ذلك، من مقام يوحنا المعمدان، استعاد بواسطة التعويض و التكفير قاعدة الإيمان.
مكتوب أنه بعد أربعين يوما جرب الشيطان يسوع ثلاث مرات. أولا، أمر يسوع أن يحول الحجارة إلى رغيف خبز. ثانيا، أخذ يسوع إلى أعلي الهيكل و تحداه أن يلقي بنفسه إلى الأرض. أخيرا، أخذ يسوع إلى قمة جبل و عرض عليه أن يعطيه كل ممالك العالم إذا سجد له و عبده (متى ٤:١-١٠).
ما هو هدف الشيطان من تجريب يسوع ثلاث مرات ؟ في البداية، خلق الله البشر و أعطاهم بركات ثلاث إكمال الشخصية، ولادة الأطفال و التكاثر، السيادة على كل عالم الطبيعة (تكوين ١:٢٨) بها ينجز الإنسان هدف الخلق. بإغرائه لآدم و حواء للهبوط، حرم الشيطان الإنسان من البركات العظام الثلاث، و بذلك منع تحقيق الهدف من الخلق. جاء يسوع للعالم لتحقيق الهدف من الخلق باستعادة تلك المباركات. لذلك، جرب الشيطان يسوع ثلاث مرات في محاولة لمنعه من استعادة المباركات الثلاث و تحقيق الهدف من الخلق.
كيف إذن واجه يسوع التجارب الثلاث و تغلب عليها ؟
أولا، لنبحث في الكيفية التي استطاع بها الشيطان أن يكون في موضع يفرض فيه تجاربه على يسوع. أولا، أخذ الشيطان موضع السيادة في المسار القومي لاسترجاع كنعان عندما ادعى ملكية الصخرة و الألواح، التي ترمز ليسوع و عروسه المفترضة. و السبب في ذلك هو تكسير موسى للألواح و ضربه للصخرة مرتين و هو في حالة غضب عندما فقد الشعب إيمانه. في المسار العالمي، عندما فشل يوحنا المعمدان في مهمته المسئول عنها، صار الإسرائيليون بلا إيمان و عاصين كما كان الإسرائيليون في زمن موسى. لذلك، و كما تنبأ الله مسبقا عن طريق مسار موسى، ارتفع الشيطان إلى موضع القوة التي من خلالها فرض تجاربه على يسوع.
بعد أن أكمل يسوع صومه أربعين يوما في البرية، ظهر له الشيطان و جربه قائلا «إن كنت ابن الله فقل أن تصير هذه الحجارة خبزا (متى ٤:٣)» .
الشيطان يمتلك الحجر، و قد ادعى ملكيته للصخرة التي تخرج الماء، و كذلك الألواح على أساس الظروف الشرطية التي وضعها موسى بأخطائه و التي أثمرت في عدم إيمان يوحنا المعمدان. لقد تلقى موسى الحجر بعد إكماله فترة أربعينية للانفصال عن الشيطان في البرية. صام يسوع أربعين يوما في البرية من أجل تطهير و استعادة الحجر. الشيطان يعرف جيدا و يستوعب أن يسوع ذهب إلى البرية لهذا السبب، و كان غرضه من إعطاء التجربة الأولى هو أن يحافظ على الحجر ضمن ممتلكاته. لقد عانى يسوع من الجوع في البرية، كما عانى الإسرائيليون في زمن موسى. عندما لم يتغلب الإسرائيليون على الجوع و سقطوا في عدم الإيمان، قاد ذلك الشيطان في نهاية الأمر إلى أن يدعي ملكيته للحجر. كذلك، لو فقد يسوع إيمانه و أشبع رغبة الجوع بتحويل الحجر إلى خبز، متخليا عن جهوده لاستعادة الحجر، سيمتلك الشيطان الحجر إلى الأبد.
كان جواب يسوع لهذه التجربة بقوله «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله» (متى ٤:٤).
في الأصل خلق الإنسان لكي يعيش على نوعين من الزاد. يعيش الجسد على الزاد الذي يحصل عليه من العالم الطبيعي، بينما تعيش الروح بتلقيها الحب و الحقيقة من الله. لكن بما أن الإنسان الهابط لا يمكن أن يتلقى الكلمة مباشرة من الله، تكتسب روحه الحياة بكلمة يسوع، الذي أتى لتجسيد كلمة الله (يوحنا ١:١٤). قال يسوع «أنا هو خبز الحياة … إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان و تشربوا من دمه فليس لكم حياة فيكم» (يوحنا ٦:٤٨-٥٣). و قصد بذلك أن الإنسان لا يعيش حياة كاملة بمجرد أن يأكل الخبز ليحافظ على حياته. إن حياته ليست كاملة إلا إذا عاش ليسوع، و الذي جاء كالزاد و القوت الذي يعطي الحياة للروح.
حقّاً إن الحجر الذي بيد الشيطان يرمز للصخرة و الألواح التي فقدها موسى، و التي ترمز جميعها إلى ذات يسوع (كورنثيوس الأولى ١٠:٤، رؤيا ٢:١٧) الذي تعرض لهذه التجارب. يسوع بإجابته تلك أراد أن يقول، بالرغم من أنه جائع، لكنه قليل الإهتمام بالخبز الذي يمكن أن يحفظ لجسده الحياة، و لكنه مهتم أكثر بأن يكون تجسيداً لكلمة الله التي تزود كل روح بالحياة بذلك القلب و الشعور، قرر يسوع أن ينتصر على الشيطان. علاوة على ذلك، أجريت التجربة لكي يعيد يسوع تأسيس مقام المسيح، بتغلبه على التجربة من مقام يوحنا المعمدان.
لقد هزم يسوع الشيطان لأنه تكلم و تصرف على حسب الناموس. بانتصاره على هذه التجربة حقق يسوع الشرط لإرجاع الطبيعة الفردية نحو الكمال، و أسس بذلك القاعدة لاسترجاع و إصلاح مباركة الله الأولى.
بعد ذلك، أخذ الشيطان يسوع إلى أعلى الهيكل و تحداه قائلا «إن كنت ابن الله فاطرح نفسك إلى أسفل» (متى ٤:٦).
لقد أشار يسوع إلى نفسه بالهيكل (يوحنا ٢:١٩)، و مكتوب أن المسيحيين هم هياكل الرب (كورنثوس الأولى ٣:١٦)، و أعضاء في جسد المسيح (كورنثوس الأولى ١٢:٢٧). من ذلك نفهم أن يسوع هو الهيكل الرئيسي، بينما المؤمنون هم هياكل فرعية. جاء يسوع كسيد على الهيكل، حتى الشيطان عليه أن يعترف بمقامه، لذلك وضع يسوع في أعلى الهيكل. عندما تحدى الشيطان يسوع بأن يلقي نفسه إلى أسفل، كان يريد أن يغتصب مقام يسوع كسيد على الهيكل بإغرائه يسوع ليلقي بنفسه من ذلك المقام إلى حالة الإنسان الهابط الدنيا.
في تلك اللحظة أجاب يسوع «لا تجرب الرب إلهك» (متى ٤:٧).
في الأصل خُلِقَت الملائكة لكي يسودها الإنسان الذي حقق الطبيعة التي أعطاها إياه الله. عليه، حتى الملائكة الهابطة، عليها أن تخضع ليسوع سيدها. لذلك فإنه ليس من الناموس أن تحاول الملائكة اغتصاب مقام سيد الهيكل من يسوع. و كانت إجابة يسوع تعني أنه لا ينبغي للشيطان أن يمتحن الله بتجريب يسوع الذي جسد الله بعمله لعنايته تبعا للناموس. بالإضافة إلى أنه بانتصاره في التجربة الأولى و استعادته لشخصيته الفردية كتجسيد للهيكل، قد أمن بالفعل على مقامه كسيد على الهيكل. لذلك لم يكن للشيطان عذر ليجرب يسوع مرة أخرى، و كان عليه أن يتراجع من تلك النقطة.
بتغلبه على التجربة الثانية فتح يسوع، الذي هو الهيكل الرئيسي و العريس و الأب الحقيقي للبشرية، فتح الباب لكل الناس المؤمنين لكي يستعيدوا مقامهم كهياكل فرعية و كعرائس و أبناء حقيقيين. لذلك أسس يسوع القاعدة التي سيصلح عليها بركة الله الثانية.
أخيرا، أخذ الشيطان يسوع إلى أعلى الجبل و أراه كل الأشياء تحت السماء، و مجدها قائلا «أعطيك هذه جميعها إن خررت و سجدت لي» (متى ٤:٩).
بسبب هبوط آدم، فقد الإنسان تأهيله ليكون سيدا على المخلوقات، و هبط تحت سيادة الشيطان، الذي اغتصب مقام آدم كسيد على الخليقة. بمجيئه على مستوى آدم الكامل، كان يسوع هو سيد الخليقة. كما هو مكتوب «أخضع كل شيء تحت قدميه» (كورنثوس الأولى ١٥:٢٧). و لأن الشيطان يعلم ذلك بفهمه للناموس، أخذ يسوع إلى قمة الجبل اعترافا بمقامه كسيد على المخلوقات. بعد ذلك جرب الشيطان يسوع، آدم الثاني، على أمل أن يخضع له كما خضع له آدم في الأول.
أجاب يسوع «اذهب يا شيطان، لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد، و إياه وحده تعبد» (متى ٤:١٠).
لقد خلقت الملائكة كأرواح خادمة (عبرانيين ١:١٤) كي تسبح الله الذي خلقها و تخدمه. بإجابته تلك، أوضح يسوع أنه تبعا للناموس حتى الملاك الهابط، كالشيطان مثلا، عليه أن يعبد الله، و بنفس المستوى عليه أن يحترم و يخدم يسوع، الذي جاء مجسدا للخالق. علاوة على ذلك، بتغلبه على التجربتين السابقتين، وضع يسوع الأساس الذي يستعيد به مباركة الله الأولى و الثانية. على هذا الأساس، من الطبيعي أن يستعيد مباركة الله الثالثة، و يسيطر على الخليقة. قال يسوع «اذهب يا شيطان» لأنه لم يعد هنالك أي عذر أو سبب للشيطان لكي يجادل يسوع في العالم الطبيعي، الذي يقف على القاعدة المتينة لانتصار يسوع.
بانتصاره في التجربة الثالثة، وضع يسوع الظرف و الشرط كي يستعيد سيادته على العالم الطبيعي مباركة الله الثالثة.
٣-٢-١-٣ نتيجة صيام الأربعين يوم و التجارب الثلاث
تبعا لناموس الخلق، فإن هدف الله من الخلق لا يتحقق إلا إذا مر الإنسان بالمراحل الثلاث، و التي هي الأصل و الانقسام و الاتحاد، و أسس قاعدة المراكز الأربعة. لكن الشيطان قد سد الطريق إلى هذا النموذج حينما كان الإنسان الأول لا زال في طريقه لتأسيس قاعدة المراكز الأربعة، لذلك في مسار عناية الله للإصلاح، مع استطالتها و امتدادها خلال ثلاث مراحل، حاول الله أن يستعيد بواسطة التعويض و الكفارة كل ما فقده أثناء إنجاز تدبير الفترة الأربعينية لفصل الشيطان. لقد انتصر يسوع في التجارب الثلاث و أنجز الصيام لأربعين يوما كفترة أربعينية لفصل الشيطان. بذلك استعاد يسوع بواسطة التعويض، و في مرة واحدة، الظروف و الشروط التالية التي ظل الله يعمل لتحقيقها طوال تدبيره للفترات الأربعينية لفصل الشيطان خلال التاريخ.
أولا، و هو في موضع يوحنا المعمدان، استعاد يسوع بواسطة التعويض قاعدة الإيمان للمسار العالمي الثاني لاستعادة كنعان. و بذلك أصلح يسوع و استعاد كل ما تمّ التقرُّب به إلى الله طوال مسار العناية الإلهية من أجل وضع قاعدة الإيمان، بما في ذلك قرابين قابيل و هابيل، و فلك نوح، و أضحية إبراهيم، و خيمة موسى، و هيكل سليمان. أكثر من ذلك، فقد استعاد يسوع و أصلح بواسطة التعويض و الكفارة، و في مرة واحدة، كل تدبير الفترات الأربعينية لفصل الشيطان، التي أقيمت خلال الأربعة ألف سنة منذ آدم، و التي فقدت بالرغم من المجهود العظيم للأشخاص المركزيين لوضع قاعدة الإيمان، و يشمل ذلك: أربعين يوما من الطوفان في زمن نوح، ثلاث فترات من أربعين سنة في حياة موسى و صومه أربعين يوما مرتين، أربعين يوما للتجسس في أرض كنعان، أربعين عاما من التيه قضاها الإسرائيليون في البرية، أربعمائة سنة من نوح إلى إبراهيم، أربعمائة سنة من العبودية في مصر، و كل الفترات التي تميزت بالعدد أربعين التي ضاعت منذ الخروج.
ثانيا، بصعوده من موضع يوحنا إلى موضع المسيح، مهد يسوع الطريق لتحقيق مباركات الله الثلاث و استرجاع و إصلاح قاعدة المراكز الأربعة. و بتقديمه لقربانه بنجاح، وقف يسوع في المقام الذي تحققت فيه الألواح و تابوت العهد و خيمة الاجتماع و الصخرة و الهيكل.
٣-٢-٢ القاعدة الجوهرية
جاء يسوع كأب حقيقي للبشرية، إلا أنه قد استعاد بواسطة التعويض تدبير الفترة الأربعينية لفصل الشيطان و هو يقف في مقام يوحنا المعمدان. لذلك بعد استعادته لقاعدة الإيمان (و صعوده لمقام المسيح و الأب الحقيقي) وقف في مقام الوالد. و في نفس الوقت عندما أمن موضع هابيل لتحقيق شرط التعويض لإزالة الطبيعة الهابطة، وقف في موضع الابن (لا زال في موضع يوحنا المعمدان بالنظر لذلك الشرط و الظرف). و بتلك الصفة وصل يسوع، من خلال صيامه أربعين يوما إلى نفس مقام موسى، و على مستوى العالم، الذي وقف فيه بعد وضعه قاعدة الإيمان للمسار القومي الثاني لاستعادة كنعان بتحمله المنفى أربعين سنة في برية ميديان.
نفذ الله تدبيره لبداية المسار القومي الثاني لاستعادة كنعان بمنحه للآيات الثلاث و المصائب العشر. و نفذ تدبيره لبداية المسار القومي الثالث لاستعادة كنعان بجعله الشعب يتمسك بمظاهر نعمته الثلاثة: الألواح و تابوت العهد و خيمة الاجتماع و بإطاعة الوصايا العشر. و كلها، كما ذكر، قد أعطيت على أساس قاعدة خيمة الاجتماع لاستعادة الآيات الثلاث و المصائب العشر و التي فقدت لقلة إيمان الإسرائيليين. يسوع هو تحقيق نعم الله الثلاث و الوصايا العشر. كذلك نفذ الله تدبيره لبداية المسار العالمي الثاني لاستعادة كنعان على أساس كلمات يسوع نفسه و فعله للمعجزات. لو أن الشعب اليهودي (قابيل) قد تم تحريكه للإيمان بيسوع و اتباعه، و هو الذي كان في موضع يوحنا المعمدان (هابيل)، لكانوا قد أنجزوا الظرف و الشرط لإزالة الطبيعة الهابطة و لاستعادوا و أصلحوا القاعدة الجوهرية. و بذلك كانت ستوضع القاعدة لمجيء المسيح. وقوفا على هذه القاعدة، كان يسوع سيرتفع من مقام يوحنا المعمدان إلى مقام المسيح. ثم بتطعم كل الشعب فيه (رومية ١١:١٧)، كانت ستولد كل البشرية مرة ثانية، و تتطهر من الخطيئة الأولى، و تصير في اتحاد قلبي و شعوري مع الله. كذلك كانوا سيستعيدون و يصلحون طبيعة الله و صبغته الأولى التي أعطاها لهم و يبنون مملكة السماء في الأرض.
٣-٢-٣ فشل المسار العالمي الثاني لاسترجاع كنعان
عندما انتهى المسار العالمي الأول لاسترجاع كنعان إلى الفشل بسبب قلة إيمان يوحنا المعمدان، حمل يسوع رسالة و مهمة يوحنا على كتفيه. و عانى من المشقة في البرية لأربعين يوما. بذلك استعاد يسوع و أصلح قاعدة الإيمان بواسطة التعويض و التكفير للمسار العالمي الثاني لاسترجاع كنعان.
مكتوب «أن الشيطان، الذي هزم في التجارب الثلاث ترك جانب يسوع و فارقه إلى حين» (لوقا ٤:١٣). يوضح ذلك أن الشيطان لم يترك يسوع نهائيا، و إنما قد يواجهه في وقت ما في المستقبل. في الحقيقة، قد واجه الشيطان يسوع، و ذلك بنشاطه بصورة أساسية وسط زعامة الشعب اليهودي من الكتبة و الكهنة الذين لم يؤمنوا بيسوع. و بالتحديد واجه الشيطان يسوع في شخص يهوذا الأسخريوطي، الحواري الذي خانه و سلمه.
بسبب قلة إيمان هؤلاء الناس، لم يستطع يسوع أن يضع القاعدة الجوهرية و لا القاعدة لمجيء المسيح للمسار العالمي الثاني لاسترجاع كنعان. و هكذا انتهى المسار العالمي الثاني لاسترجاع كنعان بفشل مأساوي.
٣-٣ المسار العالمي الثالث لاسترجاع كنعان
٣-٣-١ المسار الروحي لاسترجاع كنعان تحت قيادة يسوع
عند نقاشنا للمسار العالمي الثالث لاسترجاع كنعان، يجب علينا أن نفهم أولا ما هو وجه الخلاف بينه و بين المسار القومي الثالث لاسترجاع كنعان.
كما شرحنا سابقا بالتفصيل، كان مركز إيمان الإسرائيليين في المسار القومي الثالث هو خيمة الاجتماع، رمز المسيح، حتى و عندما فقد الإسرائيليون إيمانهم في الخيمة، بقيت الخيمة سليمة، تقف على قاعدة الإيمان لخيمة الاجتماع التي وضعها موسى بصيامه أربعين يوما. كذلك عندما فقد موسى إيمانه، بقيت خيمة الاجتماع سليمة و حافظ عليها يشوع بخدمته و بقاعدة خيمة الاجتماع التي وضعها خلال فترة الأربعين يوم من مهمة التجسس على الأرض. لكن في المسار العالمي لاسترجاع كنعان، يكون مركز إيمان الشعب اليهودي يسوع نفسه، الذي جاء كتحقيق لخيمة الاجتماع. عندما فقد حواريوه الإيمان به، كان على يسوع أن يسير في طريق الموت و يصلب، كما أخبر بذلك «كما رفع موسى الحية في البرية، هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان» (يوحنا ٣:١٤).
و نتيجة لذلك فقد الشعب اليهودي مركز إيمانه الروحي و المادي. لم يعد لديهم أساس يقوم عليه المسار العالمي الثالث لاسترجاع كنعان بصورة ملموسة، كما كان لدى الإسرائيليين عندما بدأوا المسار القومي الثالث. و إنما المسيحيين في محل إسرائيل الثانية، سيبدأون هذا المسار كمسار روحي بتمجيدهم ليسوع المبعوث من الموت كمركز لإيمانهم. يسوع كان يرى ذلك، فقال «انقضوا هذا الهيكل و في ثلاثة أيام أقيمه» (يوحنا ٢:١٩). ثم، و كما خلف يشوع موسى في رسالته و أكمل المسار القومي الثالث، فإن المسيح عند مجيئه الثاني سيرث مهمة و رسالة يسوع، و سيكمل روحيا و جسديا المسار العالمي الثالث لاسترجاع كنعان.
بالتالي، لا يمكنه أن يرث مهمة يسوع، إلا إذا جاء بالجسد، كما جاء يسوع، و إلا فلن يحقق هدف العناية الإلهية للرجعى و الإصلاح.
٣-٣-١-١ قاعدة الإيمان الروحية
عندما انتهى المسار العالمي الثاني لاسترجاع كنعان بالفشل بسبب رفض الشعب اليهودي ليسوع، فإن قاعدة الإيمان التي وضعها يسوع، خلال صيامه أربعين يوما في مقام يوحنا المعمدان، قد فقدت إلى الشيطان. بعد أن سلم يسوع جسده على الصليب، استأنف مهمة يوحنا المعمدان روحيا. خلال الأربعين يوما منذ قيامته إلى صعوده، انتصر يسوع على الشيطان و كسر كل قيوده. بعمله هذا، استعاد يسوع قاعدة الإيمان للمسار الروحي في المسار العالمي الثالث لاسترجاع كنعان. و هذا هو السبب الخفي وراء هذه الفترة الأربعينية.
إذن كيف وضع يسوع قاعدة الإيمان الروحية؟ ظل الله يقود بنفسه شعبه المختار الذي أحبه حتى ظهور يسوع كمسيح. إلا أنه و منذ اللحظة التي تخلوا فيها عن ابنه الوحيد، كذلك تخلى الله عنهم و تركهم لكي يدعيهم الشيطان، بالرغم من أن هدف الله بإرساله المسيح هو لخلاص الشعب اليهودي و كل الإنسانية.
لقد قرر الله أن يخلص الإنسان، حتى و لو أدى ذلك أن يسلم يسوع إلى يد الشيطان.
الشيطان من الجانب الآخر كان يركز على قتل رجل واحد، هو يسوع المسيح، حتى و لو أدى ذلك إلى إرجاعه كل البشرية إلى الله، بما في ذلك الشعب اليهودي. الشيطان يعلم أن هدف الله من الأربعة ألف سنة من العناية الإلهية هو إرسال المسيح. لقد ظن أنه بقتله للمسيح سيدمر كل عناية الله.
في النهاية سلم الله يسوع للشيطان كشرط للتعويض و الكفارة لأجل خلاص كل البشرية، بما في ذلك الشعب اليهودي الذي وقف ضد يسوع، و سقط في أحضان الشيطان.
لقد مارس الشيطان أقصى قدرته لكي يصلب يسوع، و بذلك حقق الهدف الذي كان يبحث عنه طيلة الأربعة ألف سنة من مسار التاريخ. من الجانب الآخر بتسليم يسوع للشيطان، أقام الله عوضا عن ذلك ظرفا و شرطا جديدا لخلاص البشرية الخاطئة.
كيف أنجز الله ذلك ؟
لأن الشيطان قد مارس أقصى قدرته لقتل يسوع، كذلك، و تبعا لناموس الرجعى و الإصلاح بواسطة التعويض، خوّل الله لنفسه أن يمارس أقصى قدرته. بينما مارس الشيطان قدرته ليقتل، مارس الله قدرته ليحيي الميت. كتعويض لممارسة الشيطان قدرته القصوى لقتل يسوع، مارس الله قدرته القصوى لبعث يسوع من الموت. بذلك فتح الله الطريق لكل البشرية كي تطعم في يسوع المبعوث، و بذلك تلقى الخلاص و الولادة الثانية.
تبعا لما ذكر في الكتاب المقدس، يتضح لنا أن يسوع المبعوث لم يكن هو نفسه عندما كان حيا وسط حوارييه قبل الصليب. إن يسوع المبعوث ليس بالإنسان الذي يرى بعين الجسد، لأنه تخطى الزمان و المكان. لقد ظهر لأتباعه في داخل غرفة مغلقة الأبواب (يوحنا ٢٠:١٩)، و رافق اثنين من حوارييه في طريقهم إلى عمواس لمسافة طويلة، لكنهم لم يتعرفوا عليه إلا في الآخر عندما عرفهم بنفسه، و عندها اختفى فجأة من أعينهم (لوقا ٢٤:١٥-٣١).
بمرور فترة الأربعين يوما لقيامته و فصله للشيطان، وضع يسوع قاعدة الإيمان للمسار الروحي، و فتح بذلك الطريق لفداء خطيئة البشر.
٣-٣-١-٢ القاعدة الجوهرية الروحية
بظهوره مبعوثا من الأموات، حقق يسوع تدبير الفترة الأربعينية لفصل الشيطان و هو يقف في موقع يوحنا المعمدان بالروح، و وضع بذلك قاعدة الإيمان للمسار الروحي في موقع الوالدين الحقيقيين الروحيين. في نفس الوقت، و من موقع الابن، أمن موقع هابيل لتحقيق شرط التعويض لإزالة الطبيعة الهابطة. هذه القاعدة الإيمانية الروحية التي وضعها يسوع للمسار العالمي لاسترجاع كنعان، يمكن مقارنتها مع قاعدة الإيمان التي وضعها موسى للمسار القومي الثالث عن طريق الأربعين سنة في البرية.
لقد نفذ الله تدبيره للبداية في أيام موسى بجعله موسى يؤسس القاعدة لخيمة الاجتماع. لكن يسوع المبعوث هو نفسه التحقيق الروحي للألواح و تابوت العهد و خيمة الاجتماع. لقد جمع أتباعه المبعثرين في كل أنحاء الجليل و أنفذ تدبير البداية بإعطائهم القدرة على فعل المعجزات و الآيات (متى ٢٨:١٦-٢٠؛ مرقص ١٦:١٥-١٨).
وقف يسوع المبعوث في موقع يوحنا المعمدان و موقع هابيل. و وقف المؤمنون المخلصون في موقع قابيل. بإيمانهم بيسوع و اتباعه بإخلاص حققوا شرط التعويض لإزالة الطبيعة الهابطة و استعادة القاعدة الجوهرية الروحية.
٣-٣-١-٣ القاعدة الجوهرية الروحية لمجيء المسيح
بصلب يسوع، فقد حواريوه معنوياتهم و تشتتوا، و لكن بعد بعثه جمعهم يسوع في مكان واحد و دشن مرحلة جديدة من العناية الإلهية: استرجاع كنعان الروحية. اختار الحواريون متياس ليحل محل يهوذا الأسخريوطي ليكمل الاثني عشر حواري. بإيمانهم بيسوع و اتباعهم له مجازفين بحياتهم وضعوا القاعدة الروحية الجوهرية و القاعدة الروحية لمجيء المسيح. على هذا الأساس ارتفع يسوع من موضع حامل رسالة يوحنا المعمدان روحيا إلى موضع المسيح الروحي، و أرسل الروح القدس. و بذلك أصبح يسوع و الروح القدس هما الوالدين الحقيقيين الروحيين و بدءا مهمة إعطاء الولادة الثانية.
منذ نزول الروح القدس حين عيد العنصرة (أعمال ٢:١-٤)، عمل يسوع المبعوث كوالد حقيقي روحي و عملت الروح القدس كوالدة حقيقية روحية، عملا سويا متحدين ليمنحا الولادة الثانية الروحية و ذلك بتطعيم المؤمنين روحيا فيهما. هذا هو عمل الخلاص الروحي (المسيح ١-٤)، الذي أسس حيزا للبعث الروحي لا ينتهك حرمته الشيطان.
رغما عن أننا ربما نتحد روحيا مع يسوع، لكن أجسادنا لا تزال عرضة لهجوم الشيطان، كما هو الحال مع يسوع نفسه. أي أن خلاصنا الجسدي يبقى غير مكتمل. لكن لو آمنا بيسوع المبعوث، سيقودنا لكي ندخل روحيا إلى حيز بعثه، الذي لا يدخله الشيطان. هنالك نتحرر من الظروف و الأسباب و الشروط التي تسمح للشيطان كي يؤاخذنا و يديننا، و نكون روحيا مُخََّلصِين.
٣-٣-١-٤ استرجاع و إصلاح كنعان الروحية
بإيمانهم بيسوع المبعوث و خدمته، و هو الذي يقف على القاعدة الروحية للمسيح، يستطيع المسيحيون أن يسترجعوا كنعان الروحية و يدخلوا في حيز نعمتها. من ناحية أخرى، تقف أجساد المسيحيين في نفس الموقع الذي يقف فيه جسد يسوع، الذي هاجمه الشيطان بالصلب. لا يزال المسيحيون مصبوغين بالخطيئة الأولى (رومية ٧:٢٥)، و هم في حاجة لتطهير نفوسهم من نفوذ الشيطان تماما مثل أولئك الذين عاشوا قبل مجيء المسيح لذلك، ما زال على المسيحيين أن يمشوا في مسار للانفصال عن الشيطان من أجل الإعداد للمجيء الثاني للمسيح (المسيح ١:٤).
إن يسوع المبعوث هو التحقيق الروحي للهيكل. لقد حقق على مستوى العالم المثال و النموذج لخيمة الاجتماع التي أقامها موسى في المسار القومي لاسترجاع كنعان. إن قدس الأقداس و القدس اللذين يمثلان روح عيسى و جسده، قد تم تحقيقهما كواقع روحي بواسطة يسوع و الروح القدس. كذلك فإن فكرة كرسي الرحمة قد تحققت من خلال عمل الخلاص الذي أداه يسوع و الروح القدس، بتمكينهما الله أن يظهر في أعمالهما و بتوصيلهما لكلمته. على كرسي الرحمة حيث تعلن كلمة الله، يكون الكروبيان اللذان يسدان طريقنا منذ الهبوط قد أبعدا لينفتح الطريق لنا لدخول تابوت العهد و نستقبل يسوع، شجرة الحياة. هنالك نستطيع أن نشارك في المن الذي يمدنا به الله، و نشهد على عظمته و قوته التي جعلت عصا هارون تخضر و تنبت (عبرانيين ٩:٤–٥). كما تعلمنا من دراستنا لمسار موسى، فإن تأخر العناية الإلهية ليس قدرا إلهيا، و إنما سببه قلة إيمان الناس. كذلك فإن صلب يسوع و الحاجة لمجيئه لم يكونا في الأصل تقديرا من الله.
٣-٣-٢ المسار لاسترجاع كنعان الفعلية تحت قيادة المسيح عند مجيئه الثاني
لقد شرحنا سابقا لماذا بدا المسار العالمي لاسترجاع كنعان كمسار روحي، و ليس كمسار فعلي ملموس كالمسار القومي الثالث لاسترجاع كنعان.
لقد بدأت هذه العناية الإلهية الروحية عندما وقف يسوع على القاعدة الروحية لمجيء المسيح كمسيح روحي آمن به أتباعه و أطاعوه. لقد مرت هذه العناية الإلهية بمسار تاريخي طويل مدته ألفا عام امتد ليكون منطقة سيادة روحية على مستوى العالم. بينما لم يدخل موسى إلى كنعان إلا بالروح، فقد سار يوشع بن نون في المسار القومي الملموس و سيطر فعليا على أرض الميعاد. كذلك بينما استرجع يسوع كنعان العالمية كحيز روحي، فإن المسيح عند المجيء الثاني سيكمل المسار العالمي كمسار ملموس و مجسد، و يبني بصورة ملموسة مملكة السماء على الأرض.
إن المسيح عند مجيئه الثاني عليه أن يحقق على الأرض نموذج الله المُتَصَوَّر الذي تُرِكَ بدون تحقيق في المجيء الأول. لهذا السبب، يجب أن يولد على الأرض بجسده (المجيء الثاني ٢:٢).
بما أن المسيح في مجيئه الثاني عليه أن يستعيد بواسطة الكفارة و التعويض مسار العناية الإلهية للرجعى و الإصلاح الذي ترك بدون إكمال عند مجيء يسوع، فربما يكون عليه أن يتبع مسارا مشابها. لقد واجه يسوع عدم الإيمان من الشعب اليهودي، و كان عليه أن يسير في مسار معاناة مرة. كذلك إذا رفض المسيحيون، إسرائيل الثانية، المسيح عند مجيئه الثاني، سيكون عليه أن يسير في درب المحن كما سار يسوع. سيكون عليه أن يعيد مسار يسوع المؤلم و يسترجعه و يصلحه بواسطة الكفارة و التعويض، و لكن هذه المرة خلال حياته الأرضية. لهذا السبب قال يسوع «و لكن ينبغي أن يتألم كثيرا و يرفض من هذا الجيل» (لوقا ١٧:٢٥).
في المجيء الأول، كان على يسوع في النهاية أن يتخلى عن إسرائيل الأولى، التي أقيمت من أجله، و يختار المسيحيين كإسرائيل الثانية لكي يدشن مشروع العناية الإلهية الجديد. كذلك عند مجيء المسيح في المرة الثانية، إذا رفضه المسيحيون و لم يؤمنوا به، سيكون عليه أن يتركهم، و ينشئ إسرائيل الثالثة، و يعمل معها لكي يحقق عناية الله في الأرض. إذا لم يكمل الأشخاص الذين يسبقون المسيح، المكلفون بمهمة تشبه مهمة يوحنا المعمدان، مسئوليتهم، سيكون عليه أن ينزل ليقوم بدور يوحنا المعمدان و يؤسس قاعدة الإيمان للمسار الفعلي الملموس العالمي لاسترجاع كنعان. بذلك سيسير في طريق المعاناة.
مهما كان شاقا ذلك الطريق الذي يسير فيه المسيح، فإنه في المجيء الثاني سوف لن يموت بدون أن يحقق عناية الرجعى و الإصلاح. ذلك لأن عناية الله لتنشئة الوالدين الحقيقيين للبشرية (لاهوت المسيح ٤-١-١). و تحقيق هدف الخلق من خلالهما ستكون ناجحة في المحاولة الثالثة. لقد بدأ هذا المشروع الإلهي للعناية بآدم، و امتد إلى يسوع، و سوف يؤتي ثماره بدون شك عند المجيء الثاني. أكثر من ذلك، كما سيناقش لاحقا (التطابق ٧-٢–٦)، فإن عمل الله الروحي للرجعى و الإصلاح خلال الألفي سنة منذ أيام يسوع قد أعد مناخا و مجتمعا ديمقراطياً و شرعياً و منظماً قانونياً سيكون حماية للمسيح عند مجيئه الثاني.
لقد قتل يسوع بعد أن دمغ بالهرطقة من اليهود، و بالتمرد من الإمبراطورية الرومانية. خلافا لذلك، فإنه حتى لو بدا المسيح في المجيء الثاني كمهرطق، فإن المجتمعات الديمقراطية التي سيأتي إليها، لا تكفي فيها مثل هذه التهم للحكم عليه بالموت. لذلك، مهما كانت مرارة المحن التي سيمر بها، فإن المسيح في مجيئه الثاني سيتمكن من وضع قاعدة الإيمان في الأرض. بوقوفه عليها، سيجمع حوله أتباعا لا يتزعزع إيمانهم. سوف يقود هؤلاء الأتباع لتحقيق شروط الكفارة و التعويض لإزالة الطبيعة الهابطة و تأسيس القاعدة الجوهرية. إن القاعدة لمجيء المسيح في المسار الفعلي العالمي الثالث ستؤسس بدون شك.
عندما كان موسى هو الشخص المركزي في المسار القومي الثالث لاسترجاع كنعان، نفذ الله تدبيره ليبدأ إستنادا على قاعدة الصخرة. عندما كان يشوع هو الشخص المركزي، نفذ الله تدبيره ليبدأ إستنادا على قاعدة الماء من الصخرة، و الذي هو أكثر باطنية من الصخرة. كذلك في زمن يسوع نفذ الله تدبيره للبداية بواسطة الآيات و المعجزات، و لكن عند مجيء المسيح للمرة الثانية سينفذ الله تدبيره للبداية على أساس الكلمة، و الذي هو أكثر باطنية من الآيات و المعجزات. كما شُرِحَ سابقا (اليوم الآخر ٣-٢)، بالرغم من أن الإنسان قد خلق بواسطة الكلمة (يوحنا ١:٣)، لكن بسبب الهبوط لم يستطع أن يحقق الهدف منها. لكي نحقق الهدف من الكلمة، ظل الله ينفذ عنايته للرجعى و الإصلاح بوضع شروط و ظروف ظاهرية لطاعة الكلمة. أخيرا، عند ختام تاريخ عنايته، سيرسل الله المسيح مرة ثانية كتجسيد للكلمة، و يكمل عناية الخلاص القائمة على الكلمة.
إن التوضيح العميق لهدف الله من الخلق قد كشف عنه في شكل علاقات قلبية و شعورية. إن الله كأب باطني و غير مرئي، قد خلق الإنسان كابن مجسد و ملموس. خلق آدم و حواء على نمط مميزاته الثنائية، و هما كأول رفيقين منفعلين مجسدين قد خلقا ليكونا والدين لكل البشرية. خلقا ليكونا زوج و زوجة، يلدان و ينشئان الأولاد، و يكونان أسرة مَجْدُولة من قلب الوالدين، قلب الزوج و الزوجة، قلب الأخوان و الأخوات، و قلب الأبناء و البنات. كانت أسرتهم ستكون مظهر الحب الحقيقي للوالدين، الحب الحقيقي للزوج و الزوجة، و الحب الحقيقي للأولاد و البنات. كان ذلك سيكون قاعدة المراكز الأربعة التي تحقق هدف التعامل مع ثلاثة منفعلين (ناموس الخلق ٢-٣–٣).
بهذه الطريقة، أراد الله أن يبني مملكة السماء في الأرض بواسطة أبناءه المولودين من نسله السماوي. إن المعنى الأساسي للهبوط هو أن سلفي الإنسان الأولين كونا علاقة دم و نسب مع رئيس الملائكة، لذلك فإن كل الإنسانية أصبحت مقيدة إلى نسب الشيطان (الهبوط ١-٣-٣). كل إنسان يولد كابن للشيطان (متى ٣:٧؛ ٢٣:٣٣ ؛ يوحنا ٨:٤٤). لقد هبط السلفان الأولان للإنسان إلى مكان لم يعد لهما فيه أي ارتباط بالنسب الإلهي. بالتالي، فإن هدف الله النهائي في عنايته للرجعى و الإصلاح هو تحويل الإنسان الهابط، الذي ليس له ارتباط بالنسب الإلهي، إلى أبناء مولودين من نسب الله المباشر.
دعونا نتأمل أكثر في الكتاب المقدس و نبحث عن دليل لهذا الهدف الخفي وراء عناية الله.
إن أسرة آدم، التي ارتكب أعضاؤها أول جريمة قتل، قد تجردت من أي علاقة مع الله. في زمن نوح، لم تسترجع العلاقة المباشرة مع الله بسبب خطأ ابنه الثاني حام. رغما عن كل هذا، و بسبب إخلاص نوح و إيمانه، استطاعت أسرته ان تقف في علاقة غير مباشرة مع الله، في موقع خادم الخادم (تكوين ٩:٢٥). هذه طبيعة علاقة البشر بالله، التي يمكن الوصول لها قبل عصر العهد القديم.
لقد أسس إبراهيم، أبو الإيمان، مع أسرته، القاعدة الأسرية لمجيء المسيح، فارتفع هو و أحفاده، شعب الله المختار، إلى موقع الخادم لله (لاويين ٢٥:٥٥). هذه هي طبيعة علاقة الإنسان بالله التي يمكن الوصول إليها في عصر العهد القديم.
في أيام يسوع، فإن الحواريين، الذين وقفوا على قاعدة الإيمان التي وضعها يسوع من موقع يوحنا المعمدان، قد ارتفعوا من موقع الخادم إلى موقع الابن بالتبني. للارتفاع أكثر كي يصيروا أبناء الله من نسله المباشر، كان عليهم أن يضعوا القاعدة الجوهرية و القاعدة لمجيء المسيح، و ذلك بخدمة و إطاعة يسوع بصورة مطلقة. لو وقف يسوع كمسيح على تلك القاعدة، كانوا سيطعمون فيه روحيا و جسديا، و يحققون الوحدة الكاملة معه.
يسوع هو الابن الوحيد لله، بدون خطيئة، و مولود من نسله المباشر. إنه شجرة الزيتون الحقيقية الذي جاء لكي يتطعم فيه كل البشر الهابطين، الذين هم أشجار الزيتون البرية (رومية ١١:١٧)، و بذلك يرتبطون معه في وحدة تامة لكي يطهرهم من الخطيئة الأولى، و يرجعهم كأبناء مولودين من نسل الله. هذه هي عملية الولادة الثانية، التي كان سيقوم بها يسوع و عروسه (لاهوت المسيح ٤).
لكن لسوء الحظ، حتى حواريي يسوع أنفسهم قد فقدوا إيمانهم، و مات يسوع على الصليب بدون أن يرتفع من موقع يوحنا المعمدان ليقوم بالواجبات التي تناسب مقام المسيح. بعد قيامته بدأ يسوع مساره الروحي. لقد وضع القاعدة الروحية للإيمان من خلال الأربعين يوما منذ قيامته حتى صعوده فترة لفصل الشيطان و هو يقف في موقع يوحنا المعمدان. لقد تاب حواريوه و استغفروا و عادوا يخدموه بإيمان، و بذلك وضع يسوع و حواريوه القاعدة الجوهرية الروحية و القاعدة الروحية لمجيء المسيح. على هذا الأساس وقف يسوع كمسيح روحي و تطعم فيه أتباعه روحيا فقط. نتيجة لذلك ارتفع المسيحيون المخلصون ليصيروا أبناء الله بالروح. ظلت هذه هي طبيعة علاقة الإنسان بالله التي يمكن الوصول إليها منذ زمن يسوع إلى اليوم.
في هذا العمل الروحي للعناية الإلهية، يسترجع الله عالم الروح أولا، كما هو النظام في خلق الكون، فقد خلق الله العالم الروحي أولا. لقد رفعت الإنسانية لتقف كرفيق منفعل لله، و لكن روحيا فقط. مهما كان إخلاص المسيحي، و طالما أن الخطيئة الأولى لا زالت تورث بالجسد بدون أن تزال، فهو لا يختلف عن إنسان عصر العهد القديم من حيث أن كلاهما لا يزال مقيد بنسب الشيطان (المسيح ١-٤).
أقصى ما يمكن أن يحققه المسيحيون هو أن يكونوا أبناء الله بالتبني، لأنهم لم يتفرعوا من نسبه، و هذا يشرح لنا لماذا ناح القديس بولس قائلا «نحن الذين لنا باكورة الروح، نحن أنفسنا أيضا نئن في قرارة نفوسنا مترقبين التبني » (رومية ٨:٢٣).
سيعود المسيح ليستعيد كل البشرية لكي يكونوا أبناء حقيقيين لله. سيعود بالجسد و يولد على هذه الأرض، كما جاء في المرة الأولى. سوف يصلح و يستعيد بواسطة التعويض و الكفارة مسار مجيئه الأول بالسير فيه مرة أخرى.
كما شرح سابقا، فإن المسيح العائد سينفذ تدبير البداية على أساس الكلمة، ثم بعد ذلك يكمل القاعدة لمجيء المسيح روحيا و جسديا. على هذا الأساس، تتطعم فيه كل البشرية، و يطهرها من الخطيئة الأولى، و يعيد الناس لكي يكونوا أبناء الله، مولودين من نسله.
في المجيء الأول، وضع يسوع القاعدة الأسرية باختياره اثني عشر حواري و تعيينه لثلاثة منهم كحواريين رئيسيين. أراد بذلك أن يسترجع و يصلح بواسطة الكفارة و التعويض موقع يعقوب، الذي كان الشخص المركزي للقاعدة الأسرية لمجيء المسيح. بتنشئته لسبعين تابع وسع يسوع من نطاق قاعدته إلى مستوى العشيرة. بنفس الأسلوب، فإن المسيح عند مجيئه الثاني، سيبدأ بوضع القاعدة الأسرية لمجيء المسيح روحيا و جسديا. ثم بعد ذلك يقوم بتوسيع نطاقها إلى مستوى العشيرة و المجتمع و الأمة و العالم و الكون. عندما تؤمن هذه القاعدة، سيتمكن في النهاية من بنيان ملكوت السموات.
كان هدف الله من إنشاء شعب إسرائيل الأولى هو تجهيز القاعدة ليسوع، عسى أن ينجز بنيان ملكوت السموات عندما يأتي. و عندما تحولوا ضده، اختار الله المسيحيين ليكونوا إسرائيل الثانية. كذلك فإن هدف الله من إنشاء المسيحية هو تجهيز القاعدة للمسيح عند مجيئه الثاني لكي ينجز ملكوت السموات. فإذا تحول العالم المسيحي ضده، سوف لن يكون لدى الله من خيار إلا أن يتخلى عنهم، و يقيم إسرائيل الثالثة. لذلك، و بالرغم من البركات العظيمة التي يتمتع بها المسيحيون في آخر الزمان، إلا أن وضعهم كوضع الإسرائيليين في زمن يسوع، سيكون خطيرا. سيكونون عرضة للسقوط في الخزي و سوء الحظ العظيم.
٣-٤ بعض الدروس من مسار يسوع
أولا، يعلمنا مسار يسوع عن تقدير الله لإرادته. يقدر الله و بصورة مطلقة لإرادته أن تتحقق، ثم يعمل بلا هوادة حتى تتحقق. عندما فشل يوحنا المعمدان في مهمته، حاول يسوع أن يحقق أمر الله بأي ثمن حتى و لو يحمل مهمة يوحنا المعمدان. عندما أحبط عدم إيمان اليهود محاولاته لبنيان ملكوت السموات، بقي يسوع ثابتا في عزمه و وعد بتحقيق أمر الله عند عودته.
ثانيا، أوضح مسار يسوع أن تقدير الله فيما يخص الطريقة التي تنجز بها إرادته بواسطة الفرد أو الأمة، تكون دائما مشروطة و غير مطلقة. أي أنه، و بالرغم من أن الله قد يختار شخصا معينا أو أمة معينة لتنجز هدفا من أهداف العناية الإلهية للرجعى و الإصلاح، إذا لم يقم ذلك الفرد أو تلك الأمة بمسئوليتها، فإن الله بدون شك، سيختار شخصا أو أمة أخرى بدلا عنهم.
اختار يسوع يوحنا المعمدان ليكون كبير حوارييه، لكنه عندما فشل في إكمال مسئوليته، اختار يسوع بطرس ليحل محله. لقد اختار يسوع يهوذا الأسخريوطي ليكون أحد حوارييه الاثني عشر، لكنه عندما فشل، اختير متياس ليحل محله (أعمال ١:٢٥). كذلك اختار الله الشعب اليهودي لإنجاز المسئولية المركزية في عنايته للإصلاح، و لكن عندما فشلوا، انتقلت رسالتهم إلى الوثنيين (أعمال ١٣:٤٦؛ متى ٢١:٣٣–٤٣). هذه الأمثلة توضح لنا أنه عندما يختار الله شعبا أو أمة لإنجاز إرادته، فإنه لا يقدر بصورة مطلقة لذلك الشخص أو لتلك الأمة أن تنجز المهمة أم لا.
كذلك أوضح لنا مسار يسوع أن الله لا يتدخل في مجهود الشخص لتحقيق نصيبه من المسئولية، و إنما يتعامل معه على حسب نتيجة أفعاله. لا بد أن الله كان يعلم بأن يوحنا المعمدان و يهوذا الأسخريوطي كانا في طريقهما ليفقدا إيمانهما، و قطعا كان لديه القدرة لكي يمنعهما من المعصية. لكن الله لم يتدخل أبدا في إيمانهما، و إنما تعامل معهما على حسب نتيجة أفعالهما.
أخيرا، يرينا مسار يسوع أنه كلما كانت مهمة الإنسان كبيرة، كلما كان الامتحان الذي سيقابله كبيرا. لقد جاء يسوع كآدم الثاني. و لكي يكمل رسالته، كان عليه أن يسترجع و يصلح بواسطة الكفارة و التعويض الموقع الذي كان يحتله آدم قبل الهبوط. بما أن آدم قد فقد إيمانه و تخلى عن الله، كان على يسوع أن يسترجع و يصلح غلطة آدم بالتحمل و الصبر عندما تخلى عنه الله، و بأن يظهر إيماناً لا يتزعزع. لذلك جرب الشيطان يسوع في البرية، و تخلى الله عنه في الصليب (متى ٢٧:٤٦).