دراسة الناموس وممارسته
إشاراتي المرجعية

لا توجد لديك إشارات مرجعية بعد.

الباب الثاني. العناية الإلهية للرجعى و الإصلاح تحت قيادة موسى

٢‎-‎١ نظرة عامة في العناية الإلهية تحت قيادة موسى

لقد بنيت عناية الرجعى تحت قيادة موسى على القاعدة لمجيء المسيح التي وضعتها أسرة إبراهيم. غير أن الناموس الإلهي يطلب من موسى نفسه أن يضع القاعدة لمجيء المسيح، بإصلاحه عن طريق التعويض و الكفارة، قاعدة الإيمان و القاعدة الجوهرية. كلما تغير الشخص المركزي في العناية، لا يستطيع الشخص المركزي الجديد أن يرث أمر العناية بدون أن يتم بنفسه مسئولية مشابهة. علاوة على أنه في هذه الحالة لا بد من وضع قاعدة جديدة لأن مدى العناية قد اتسع من مستوى الأسرة إلى الأمة. كما سنرى، في عناية الرجعى بقيادة موسى اختلفت شروط التعويض المطلوبة عما سبقها.

٢‎-‎١‎-‎١ قاعدة الإيمان

٢‎-‎١‎-‎١‎-‎١ الشخص المركزي لاسترجاع قاعدة الإيمان

لقد كان موسى هو الشخص المركزي لاسترجاع قاعدة الإيمان. لا بد من وضع قاعدة جديدة للإيمان لكي يبدأ مسار العودة إلى كنعان، أرض الميعاد، بنهاية الأربعمائة سنة من العبودية التي قضاها الإسرائيليون في مصر بسبب خطأ إبراهيم في قربانه الرمزي. قبل أن ندرس عن كيفية وضع موسى لقاعدة الإيمان، لندرس أولا وضع موسى بالنسبة ليسوع في العناية الإلهية، ثم بعد ذلك نبحث عن كيفية اختلافه عن كل الذين سبقوه من الشخصيات المركزية التي اختارها الله لوضع قاعدة الإيمان.

أولا لقد وضع موسى في مقام يمثل فيه الله، يعمل بدلا عنه (ينوب عنه). لقد قال الله لموسى أن يكون كالإله بالنسبة لهارون (خروج ٤‎:‎١٦) و قال له كذلك «انظر أنا جعلتك إلها لفرعون و هارون أخوك يكون نبيك» (خروج ٧‎:‎١).

ثانيا، أقام الله موسى ليدل على يسوع. بجعله موسى يقف في مكان الله أمام هارون و فرعون فقد جعله الله كذلك رمزا ليسوع، التجسيد الوحيد لله. بدلالته على يسوع ذلل موسى الطريق ليسير عليه يسوع يوما ما في المستقبل. مثله مثل يوحنا المعمدان من بعده (يوحنا ١‎:‎٢٣)، كان على موسى أن يجعل السبيل مستقيما ليسوع.

كحفيد ليعقوب، الذي وضع القاعدة لمجيء المسيح، استطاع موسى أن يعمل كشخص مركزي في العناية الإلهية للرجعى. في طريقه الإلهي ذلك بنى موسى على تقاليد و أفعال سلفه يعقوب. لقد كان مسارهما هو النموذج الذي سار عليه يسوع لاحقا.

كذلك وقف موسى على القاعدة التي أقامها يوسف عندما دخل إلى مصر. لقد بشرت حياة يوسف بحياة يسوع. فهو كإبن لراحيل (زوجة يعقوب التي تمثل جانب الله) و كأخ أصغر لأبناء لِيَّهْ (زوجة يعقوب التي تمثل جانب الشيطان)، وقف يوسف ممثلا لهابيل. لقد نجا بأعجوبة من المخطط الذي وضعه إخوانه الكبار لقتله، و عندما بيع للتجار، دخل إلى مصر كعبد. إلا أنه ارتفع إلى منصب كبير الوزراء في مصر و عمره ثلاثون سنة. جاء إخوانه و أبوه إلى مصر و بتواضع سجدوا له محققين رؤياه عندما كان طفلا (تكوين ٣٧‎:‎٥‎–‎١١). على أساس هذه القاعدة الإلهية المنتصرة، دخل الإسرائيليون مصر و بدأت فترة من المعاناة من أجل فك رباطهم مع الشيطان.

كان مسار يوسف تبشيرا بالمسار الذي سيسير عليه يسوع لاحقا. بعد أن يأتي إلى العالم الشيطاني سيتحمل يسوع طريق المعاناة لكي يصعد إلى مقام ملك الملوك و عمره ثلاثون سنة. عندها كان عليه أن يخضع كل البشرية بما فيها آبائه السابقين و يقطع كل روابطهم بالشيطان و عالمه و يرجعهم إلى جانب الله.

لقد كانت طفولة موسى و صباه و موته تنبئ عن مسار يسوع. لقد واجه موسى خطر الموت على يد فرعون و هو طفل، بعد أن وضعته أمه في الخفاء في اليَمْ و أدخل إلى قصر فرعون و ترعرع بسلام بين أعدائه. كذلك عندما ولد يسوع كان مهددا بالقتل من قبل هيرودس، فأخذته أمه و هربت به إلى مصر و عاشت معه متخفية. ثم عادت به مرة أخرى إلى مملكة هيرودس لكي ينشأ بين أعدائه في سلام. بعد أن مات موسى لا أحد يعرف مكان جسده (تثنية ٣٤‎:‎٦)، و كانت تلك نبوءة تتحدث عن جسد يسوع بعد موته.

في كل تلك الحالات كان مسار موسى لاسترجاع كنعان على المستوى القومي هو النموذج لمسار يسوع لاسترجاع كنعان على مستوى العالم.

و كما ذكرنا سابقا، إن الكتاب المقدس قد دلل من خلال كلمات موسى (تثنية ١٨‎:‎١٨‎–‎١٩) و يسوع (يوحنا ٥‎:‎١٩) بأن الله قد كشف عبر حياة موسى نموذجا ليسوع، متنبئا بالمسار الذي سيمشي فيه يسوع في المستقبل.

٢‎-‎١‎-‎١‎-‎٢ موضوع الشرط لاسترجاع قاعدة الإيمان

لقد كان موسى في وضع يختلف عن الذين سبقوه من الأشخاص المركزيين الذين كلفوا بوضع قاعدة الإيمان. على خلاف هابيل و نوح و إبراهيم، لم يكن موسى يحتاج ليقدم قربانا رمزيا. إنما كان باستطاعته استعادة قاعدة الإيمان فقط بطاعته لكلام الله، و هو ينجز تدبير الفترة الأربعينية للانفصال عن الشيطان (حرفيا ، يمكن أن يقرأ هذا المصطلح «فترة الأربعين يوما للانفصال عن الشيطان» ، و لكن من أجل التوضيح كتبت «الفترة الأربعينية للانفصال عن الشيطان» لأن الأربعين يوم ترجع إلى طوفان نوح الذي وضع فيه هذا الشرط لأول مرة . هذه الفترة لاحقا قد تكون أربعين سنة أو أربعمائة سنة . (الناشر)). هنالك ثلاثة أسباب لهذا الاختلاف:

أولا يقف موسى على قاعدة ثلاثة قرابين رمزية ناجحة قدمها هابيل و نوح و اسحق. لقد أتموا عناية الله بتقديم القرابين الرمزية.

ثانيا، القرابين الرمزية هي مواضيع شرط مطلوبة كبديل للكلمة، لأنه بعد أن فقد السلفان الأولان كلمة الله عند الهبوط، لم يستطع الناس أن يتلقوا كلمة الله مباشرة. لذلك، خلال عصر العناية الإلهية لوضع القاعدة للرجعى (العصر من آدم إلى إبراهيم)، كانت القرابين تقدم كموضوع لشرط قاعدة الإيمان. لكن ذلك العصر قد ختم في زمن موسى. لقد دخلت البشرية إلى حقبة جديدة هي عصر العناية الإلهية للرجعى (عصر العهد القديم) و الذي يمكنهم فيه أن يتلقوا كلمة الله مباشرة. لذلك لم تكن هنالك حاجة للقربان الرمزي في وضع قاعدة الإيمان.

ثالثا، بامتداد مشروع العناية الإلهية الذي بدأته أسرة آدم مرات و مرات، أصبحت هنالك ضرورة لشروط تعويض معينة من أجل استعادة فترات العناية الإلهية التي دنسها الشيطان. عندما كان نوح يضع قاعدة الإيمان كان عليه أن يمر بفترة أربعينية للانفصال عن الشيطان عندما كان يعيش في الفلك. استطاع إبراهيم أن يقدم القربان الرمزي لكي يضع قاعدة الإيمان بعد أن استعاد فترة الأربعمائة سنة السابقة، و بذلك وقف على قاعدة أربعينية للانفصال عن الشيطان. لقد عاني اليهود أربعمائة سنة من العبودية في مصر لكي يحققوا فترة أربعينية للانفصال عن الشيطان، و بذلك استعادوا قاعدة الإيمان التي ادعاها الشيطان بسبب خطأ إبراهيم. كذلك في عصر العناية الإلهية للرجعى، يمكن للشخص المركزي أن يضع قاعدة الإيمان طالما أنه يقف بصلابة على قاعدة إكماله للفترة الأربعينية للانفصال عن الشيطان، و ذلك بتمسكه بكلمة الله، لذلك أصبح موضوع الشرط غير ضروري كبديل لكلمة الله.

٢‎-‎١‎-‎٢ القاعدة الجوهرية

في عصر العناية الإلهية لوضع القاعدة للرجعى عمل الله على وضع القاعدة الجوهرية على مستوى الأسرة. بدخول عصر العناية الإلهية للرجعى عمل الله على وضع القاعدة الجوهرية على مستوى الأمة. بما أن موسى يقف في مكان الله بالنسبة للشعب و يمثل يسوع، فإنه يقف كذلك في موضع الأب بالنسبة للإسرائيليين حينما كان يضع قاعدة الإيمان على مستوى الأمة. في نفس الوقت كان موسى نبيا رسالته أن يمهد الطريق ليسوع. و بذلك يقف في موضع الابن بالنسبة ليسوع الذي سيأتي كأب حقيقي للناس. لذلك بالنسبة للإسرائيليين، كان موسى يقف في موضع هابيل كشخص مركزي لوضع القاعدة الجوهرية القومية.

إننا نذكر أن هابيل قدم قربانه الرمزي من موضع الأب بدلا عن آدم، و بذلك اختير لتقديم القربان الجوهري من موضع الابن. كذلك وقف موسى في الموضعين المزدوجين للأب و الابن. و عندما استعاد قاعدة الإيمان بواسطة التعويض وقف في موضع الأب. و بذلك أمن موضع هابيل للقاعدة الجوهرية و الذي وقف له في موضع الابن.

بمجرد أن أمن موسى موضع هابيل، كان على الإسرائيليين الذين يقفون في موضع قابيل، أن ينجزوا شرط التعويض و الكفارة القومي لإزالة الطبيعة الهابطة من خلال طاعتهم لموسى. بفعلهم ذلك يقيمون القاعدة الجوهرية القومية.

٢‎-‎١‎-‎٣ القاعدة لمجيء المسيح

كان على موسى أن يسترجع من خلال التعويض القاعدة القومية للإيمان، كما كان على الإسرائيليين تحت قيادة موسى أن يسترجعوا من خلال التعويض القاعدة القومية الجوهرية. كان ذلك سيكون القاعدة القومية لمجيء المسيح و الأساس لأمة ذات سيادة يمكن للمسيح أن يجيء إليها. بعد ذلك كان يمكن للإسرائيليين أن يستقبلوا المسيح، و يولدوا ثانية من خلاله، و يتطهروا من الخطيئة الأولى و يستعيدوا طبيعتهم الأصيلة الأولى، و ذلك بالاتحاد مع الله بقلوبهم. و بهذه الطريقة يحققون الهدف النهائي، و هو أن يصيروا تجسيدا كاملا.

٢‎-‎٢ المسار القومي لاسترجاع كنعان تحت قيادة موسى

لقد قاد موسى الإسرائيليين إلى خارج مصر، العالم الشيطاني، بمعجزات و آيات، و عبر بهم البحر الأحمر، و جعلهم يتيهون في البرية قبل أن يدخلوا أرض كنعان الموعودة. تنبّأ هذا المسار بالمسار الذي سيسير فيه يسوع و يقود فيه المسيحيين، إسرائيل الثانية، كذلك بمعجزات و آيات. سيقود يسوع المسيحيين إلى خارج حياة الخطيئة و يسير بهم بسلام عبر بحر عالم الخطيئة المضطرب. سيسير بهم خلال صحراء خالية من مياه تعطي الحياة، قبل أن يقودهم إلى جنة عدن التي وعدهم الله إياها.

و كما استطال و امتد المسار القومي لاستعادة كنعان تحت قيادة موسى إلى ثلاث مسارات بسبب قلة إيمان الإسرائيليين، فإن المسار العالمي لاستعادة كنعان تحت قيادة يسوع يجب أن يتكرر ثلاث مرات بسبب عدم إيمان يوحنا المعمدان و الشعب اليهودي في ذلك الوقت. تحاشيا للإطناب، لن ندخل هنا في مقارنة بين مساري موسى و يسوع. و لكن التطابق سيكون واضحا عندما نقارن هذا الباب بالذي يليه.

٢‎-‎٢‎-‎١ المسار القومي الأول لاسترجاع كنعان

٢‎-‎٢‎-‎١‎-‎١ قاعدة الإيمان

بعد أربعمائة سنة من العبودية في مصر، وصلت فترة التعويض و الكفارة بسبب خطأ إبراهيم إلى نهايتها. لكي يصبح موسى الشخص المركزي لاسترجاع قاعدة الإيمان، و لكي يكون مؤهلا لقيادة الإسرائيليين إلى خارج مصر، عليه كفرد أن يرث الأربعمائة سنة من التعويض و التكفير القومي و يتم فترة أربعينية للانفصال عن الشيطان. بالإضافة إلى ذلك، على موسى أن يستعيد بواسطة التعويض الرقم أربعين، الذي كان على آدم غير الهابط أن ينجزه لكي يؤسس قاعدة الإيمان (الفترات ٢‎-‎٤). لتحقيق هذه الأهداف أُدْخِلَ موسى إلى قصر الفرعون، مركز العالم الشيطاني، و قضى هنالك أربعين سنة (أعمال ٧‎:‎٢٣).

حينما كان في القصر تولت أمه تربيته، و التي طُلِبَ منها إرضاعه دون علمهم أنها أمه. لقد نقلت إليه الوعي و الإعزاز بانتمائه للشعب المختار. بالرغم من الراحة في حياة القصر، حافظ موسى على ولاء لا يتزعزع و إخلاص إلى نسبه الإسرائيلي. بعد اربعين سنة غادر القصر «مفضلا بالأحرى أن يُذَلْ مع شعب الله بدلا من التمتع الوقتي بلذات الخطيئة» (عبرانيين ١١‎:‎٢٥). عليه فإنه و من خلال الأربعين سنة التي قضاها في قصر فرعون، أنجز موسى الفترة الأربعينية للانفصال عن الشيطان و استعاد بذلك قاعدة الإيمان.

٢‎-‎٢‎-‎١‎-‎٢ القاعدة الجوهرية

لقد كان موسى في موضع مزدوج كأب و إبن. و عندما وضع قاعدة الإيمان أمَّن كذلك موضع هابيل للقاعدة الجوهرية. كان على الإسرائيليين الذين في موضع قابيل أن يتبعوا موسى و يطيعوه بإيمان. بوراثتهم لأمر الله من موسى و تكثيرهم للخير، كانوا سيحققون شرط التعويض القومي لإزالة الطبيعة الهابطة و يضعون القاعدة الجوهرية القومية. كان على الإسرائيليين أن يضعوا القاعدة الجوهرية باتباع موسى منذ أن غادروا مصر حتى دخولهم أرض كنعان المباركة.

لقد استهل الله تدبيره لبداية المسار بقتل موسى للرجل المصري. عند رؤيته لأحد إخوانه قد أُسِيءَ إليه بواسطة مسئول مصري، تحرك حبه المشتعل لشعبه فضرب المصري فقتله (خروج ٢‎:‎١١‎–‎١٢). من ناحية هذا تعبير عن الشعور الإلهي الناقم كلما رأى البلاء الذي يعيش فيه شعبه (خروج ٣‎:‎٧). في تلك اللحظة كان اتحاد الإسرائيليين مع موسى هو الذي يحدد البداية الناجحة لمسار العودة إلى كنعان.

عندما قتل موسى المصري، استخدم الله هذا الحدث لتحقيق الآتي: أولا، لقد أوعز الشيطان لسلفي الإنسان الأول لكي يهبطا، فقَتَلَ قابيل هابيل ؛ هذه هي الشروط و الأسباب التي سيطر بها الشيطان على تسلسل التاريخ الخاطئ من موضع الابن البكر. لذلك، قبل أن يبدأ الله عمله لإرجاع كنعان، لا بد من شخص في جانب الله ينجز الشرط لإرجاع و إصلاح ذلك بواسطة التعويض بالانتصار على شخص آخر في الجانب الشيطاني الذي يقف في موضع الابن البكر. ثانيا، هذا الفعل قد قطع أي ارتباط لموسى بقصر الفرعون و وضعه في موضع اللاعودة. و أخيرا، بهذا الفعل أراد الله أن يوعز للإسرائيليين لكي يثقوا في موسى بظهوره كبطل إسرائيلي. كما سنرى، يمكن مقارنة ذلك بالأسباب التي ضرب الله بها كل بكور المصريين و مواشيهم في مستهل المسار القومي الثاني لاستعادة كنعان.

كان على الإسرائيليين، و هم يرون موسى يقتل المصري، أن يجعلوا من حب موسى لإسرائيل مصدر إلهام لهم كما كان لله. لو شعروا بمثل ذلك، لاحترموا موسى و وثقوا فيه و اتبعوه بحماس. ثم و من خلال قيادة موسى، كان الله سيقودهم ليُدْخِلهم مباشرة إلى أرض كنعان، التي سيضعون فيها القاعدة الجوهرية. في الحقيقة لم يكونوا ليعبروا البحر الأحمر أو ليسيروا في برية سيناء، بل كانوا سيسلكون الطريق المباشر إلى كنعان عن طريق أرض الفلسطينيين. في مسيرة واحد و عشرين يوما كانوا سيسترجعون و يصلحون الإحدى و عشرين سنة التي قضاها يعقوب في حاران.

لاحقا، في المسار القومي الثاني، كان لدى الله العذر في ألا يثق في الإسرائيليين، لأن فشلهم السابق في اتباع موسى أجهض المسار القومي الأول. مكتوب «و كان لما أطلق فرعون الشعب أن الله لم يهْدِهم في طريق الفلسطينيين مع أنها قريبة. لأن الله قال لئلا يندم الشعب إذا رأوا حربا و يرجعون إلى مصر» (خروج ١٣‎:‎١٧). في أثناء المسار القومي الثاني لاستعادة كنعان، قاد الله الشعب عبر البحر الأحمر في طريق ملتوي عبر البرية لأن لديه أسباب خاف بها من احتمال أن يعودوا لعدم الإيمان و يرجعوا إلى مصر بدون أن يكملوا رحلتهم.

٢‎-‎٢‎-‎١‎-‎٣ فشل المسار القومي الأول لاسترجاع كنعان

لو أن الإسرائيليين (قابيل) أطاعوا موسى (هابيل) من كل قلوبهم و اتبعوه ليعودوا إلى كنعان، لكانوا قد أنجزوا شرط التعويض القومي لإزالة الطبيعة الهابطة و لوضعوا القاعدة الجوهرية. و لكن ما حدث كان عكس ذلك. عندما رأوا موسى يقتل المصري أساءوا فهمه و تحدثوا عنه بسوء: ثم خرج في اليوم الثاني و إذا رجلان عبرانيان يتخاصمان، فقال للمذنب لماذا تضرب صاحبك. فقال من جعلك رئيسا و قاضيا علينا ؟ أعازِم أنت على قتلي كما قتلت المصري ؟ فخاف موسى و قال حقا قد عُرِفَ الأمر. فسمع فرعون هذا الأمر فطلب أن يقتل موسى (خروج ٢‎:‎١٣‎–‎١٥) لم يكن أمام موسى أي خيار سوى الهروب من فرعون. ترك موسى الإسرائيليين و هرب إلى برية ميديان. و تكسرت القاعدة الجوهرية، و أصبح لزاما أن يتكرر مسار الإسرائيليين لاسترجاع كنعان تحت قيادة موسى مرة ثانية ثم ثالثة في النهاية.

٢‎-‎٢‎-‎٢ المسار القومي الثاني لاسترجاع كنعان

٢‎-‎٢‎-‎٢‎-‎١ قاعدة الإيمان

عندما انتهى المسار القومي الأول لاسترجاع كنعان إلى الفشل، بسبب عدم إيمان الإسرائيليين، ادعى الشيطان الأربعين سنة التي قضاها موسى في قصر فرعون، و التي وضع خلالها قاعدة الإيمان. عليه، و لكي يبدأ موسى المسار القومي الثاني لاسترجاع كنعان، عليه أن يضع مجددا قاعدة الإيمان بإكمال أربعين سنة أخرى لكي يستعيد و يصلح بواسطة التعويض و الكفارة الأربعين سنة التي قضاها في قصر فرعون. هذا هو الهدف من نفي موسى لمدة أربعين سنة في برية ميديان (أعمال ٧‎:‎٣٠). في خلال هذه الأربعين سنة صارت حياة الإسرائيليين في مصر أكثر بؤسا و شقاءً جزاءً لعدم إيمانهم بموسى.

سار موسى في فترة أربعينية ثانية للانفصال عن الشيطان خلال الأربعين سنة التي قضاها في أرض ميديان. هنالك استعاد قاعدة الإيمان التي يحتاجها للشروع في المسار القومي الثاني لاسترجاع كنعان، ثم ظهر الله لموسى و قال له: إني قد رأيت مذلة شعبي الذي في مصر و سمعت صراخهم من أجل مسخريهم. إني علمت أوجاعهم، فنزلت لأنقذهم من أيدي المصريين و أصعدهم من تلك الأرض إلى أرض جيدة و واسعة. إلى أرض تفيض لبنا و عسلا، إلى مكان الكنعانيين. و الآن هو ذا صراخ بني إسرائيل قد أتي إلى و رأيت أيضا الضيق الذي يضايقهم به المصريون. و الآن هلم فأرسلك إلى فرعون و تخرج شعبي بني إسرائيل من مصر (خروج ٣‎:‎٧‎–‎١٠)

٢‎-‎٢‎-‎٢‎-‎٢ القاعدة الجوهرية

عندما استعاد موسى قاعدة الإيمان في برية ميديان، أمن كذلك موضع هابيل. تبعا لذلك، و كما حدث في المسار القومي الأول لاسترجاع كنعان، لو أن الإسرائيليين، الذي كانوا في موضع قابيل، آمنوا بموسى و اتبعوه بإيمان كامل و طاعة، لدخلوا أرض الميعاد، أرض اللبن و العسل. و بفعلهم ذلك كانوا سينجزون شرط التعويض لإزالة الطبيعة الهابطة و يضعون القاعدة الجوهرية.

لقد وضع الله تدبيرا لبداية المسار القومي الأول لاسترجاع كنعان و هو قتل موسى للمصري. كذلك لكي يبدأ المسار القومي الثاني لاسترجاع كنعان، وضع الله تدبيرا آخر لبدايته. فقد أعطى الله موسى ثلاث آيات و عشر مصائب، يستطيع أن يتغلب بها على المصريين.

الأسباب التي جعلت الله يأمر موسى بضرب الجانب الشيطاني هي، و كما شرح سابقا: أولا، لكي يستعيد بواسطة التعويض موضع الابن البكر الذي دنسه الشيطان؛ ثانيا، لكي يقطع ارتباط الإسرائيليين بمصر؛ ثالثا، لكي يجعل الإسرائيليين يعلمون أن موسى قد أرسل بواسطة الله (خروج ٤‎:‎١).

هنالك سبب آخر يشرح لنا لماذا ضرب موسى المصريين. بالرغم من أن الإسرائيليين قد أكملوا فترة التعويض و الكفارة التي امتدت لأربعمائة سنة مستعبدين في مصر، إلا أنهم عانوا ثلاثين سنة أخرى من الاضطهاد (خروج ١٢‎:‎٤١). لقد سمع الله صراخهم و أنينهم فاستجاب لهم بإشفاق (خروج ٢‎:‎٢٤‎–‎٢٥).

الآيات الثلاث التي أعطاها الله لموسى و هارون كانت دليل على عمل يسوع في المستقبل.

أعطيت الآية الأولى عندما أمر الله موسى أن يلقي عصاه فصارت حية (خروج ٤‎:‎٣‎–‎٩). عندما نفذ هارون هذه الآية لاحقا أمام فرعون بأمر من موسى، جمع فرعون السحرة و أمرهم بإلقاء عصيهم، و التي صارت كذلك حيات، و لكن حية هارون ابتلعت حياتهم (خروج ٧‎:‎١٠‎–‎١٢).

هذه الآية دلت على مجيء يسوع كمخلص لتدمير عالم الشيطان. العصا ترمز إلى يسوع. تماما كما قامت العصا بالمعجزات أمام موسى الذي يمثل الله، كذلك يسوع سيأتي بسلطان يعمل المعجزات أمام الله. علاوة على أن العصا تحمي و تسند الإنسان إن توكأ عليها، فهي كذلك تحطم الظلم و تقود الناس إلى الطريق المستقيم. و لأنها ترمز ليسوع، فقد كشفت عن رسالة يسوع التي سيؤديها عند مجيئه.

إن في تحول عصا موسى إلى حية رمز لعمل يسوع، فقد ربط يسوع بينه و بين الحية قائلا «و كما رفع موسى الحية في البرية، هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان» (يوحنا ٣‎:‎١٤). كذلك قال لحواريه «كونوا حكماء كالحيات» (متى ١٠‎:‎١٦). قصد يسوع من قوله هذا أنه قد جاء كالحية الخيرة الحكيمة التي تغري الناس الهابطين و تقودهم إلى سبيل الخير. و بذلك كان عليه أن يزيل بواسطة التعويض الهبوط الذي أحدثته الحية الشريرة، التي خدعت و أغوت الجدين الأولين. لذلك كان على أتباعه أن يتعلموا حكمته ليقودوا الناس الخاطئين في طريق الخير. علاوة على ذلك، عندما ابتلعت حية موسى حيات السحرة، كان ذلك يعني أن يسوع سوف يأتي كحية إلهية تلقف و تدمر الشيطان، الحية الشريرة.

أعطيت الآية الثانية عندما أمر الله موسى أن يضع يده في جيبه فصارت مجزومة. ثم أمره أن يضع يده في جيبه مرة أخرى فأخرجها من غير سوء (خروج ٤‎:‎٦‎–‎٧). هذه الآية أظهرت رمزيا أن يسوع سوف يأتي كآدم الثاني مع عروسه المفترضة (حواء الثانية، التي ظهرت لاحقا في صورة الروح القدس) (في فصل لاهوت المسيح ٤‎-‎١ عندما وُصف التنبؤ بمسار يسوع ، استعملت النسخة الكورية (روح القدس) للإشارة إلى شريك يسوع (المؤنث). و لكن الروح القدس صارت شريكة ليسوع بعد صلبه دون أن يكمل عناية الله الأولى و التي تشمل أن يتخذ يسوع زوجة له في الأرض. يسوع و عروسه المفترضة كان عليهما تحقيق زواج الحمل ليصيرا أبوين حقيقيين. للإيضاح نستعمل كلمة «المفترضة» عندما يتحدث الكتاب عن عروس يسوع في الأرض (الناشر))، ليقوما بالفداء و الخلاص.

في المرة الأولى عندما أدخل موسى يده في جيبه و خرجت مجزومة كان ذلك يرمز إلى رئيس الملائكة الذي ضم حواء إلى حضنه، الأمر الذي صبغ الإنسان بخطيئة لا علاج لها. في المرة الثانية عندما وضع موسى يده في جيبه مرة أخرى و أخرجها بيضاء كان ذلك يرمز إلى يسوع، الأب الحقيقي الذي سيأتي لاستعادة عروسه، الأم الحقيقية، و أنهما سوف يحتضنان الإنسانية ليهباها الولادة الثانية «كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها» (متى ٢٣‎:‎٣٧)، و عندها تكتمل الرجعى و الإصاح.

للقيام بالآية الثالثة، أمر الله موسى أن يصب من ماء النيل على الأرض فتصير دما (خروج ٤‎:‎٩). رمزية هذه الآية تكمن في الماء، المادة غير العضوية، الذي يتحول إلى دم، مادة الحياة. الماء في الكتاب المقدس يرمز للجموع الهابطة (رؤيا ١٧‎:‎١٥)، الذين هم بدون حياة. لذلك أظهرت هذه الآية أن يسوع و الروح القدس سيأتيان و يبعثان البشرية الهابطة التي كانت بلا حياة، ليصيروا أبناء الله الأحياء.

أمر الله موسى و هارون للقيام بهذه المعجزات الثلاث لأجل إنجاز شروط التعويض و الكفارة الرمزية و التي سيجيء بها يسوع و الروح القدس لاحقا إلى إسرائيل كأبوين حقيقيين، ليستعيدا و يصلحا قاعدة المراكز الأربعة الأولى السليمة التي ضاعت إلى الشيطان و يمنحا الولادة الثانية لكل البشرية كأولاد لهم.

عندما سأل موسى، الذي لم يكن فصيحا، الله شخصا يتحدث نيابة عنه، أيده الله بأخيه الأكبر هارون (خروج ٤‎:‎١٤) و مريم النبية أخت هارون (خروج ١٥‎:‎٢٠). و هذا يدل رمزيا على أن يسوع و عروسه المفترضة، تجسيد الكلمة (يوحنا ١‎:‎١٤)، سيأتيان و يستعيدان البشرية التي فقدت الكلمة عند الهبوط و يصلحاها كتجسيد للكلمة مرة أخرى. في مسار استرجاع كنعان أُعطي هارون و مريم مهمة حمل إرادة موسى الذي كان في موضع الله، و ممارسة القيادة نيابة عنه. في المستقبل سيحمل يسوع و الروح القدس الإرادة الإلهية في المسار العالمي لاستعادة كنعان و يحملان المسئولية بافتداء خطايانا

بأمرٍ من الله ذهب موسى ليقابل فرعون. و في طريقه ظهر له الرب و حاول قتله. أُنقِذَت حياة موسى بواسطة زوجته صفورا التي قامت بتطهير إبنهما (خروج ٤‎:‎٢٤‎-‎٢٦). لقد ساعدت موسى في التغّلب على التجربة و أنقذت أسرتهما. هذا التطهير جعل خروج الإسرائيليين من مصر ممكنا، و ذلك يدل على أنه حتى حين يأتي يسوع فإن عمل الله للخاص قد لا يكتمل ما لم يمارس الشعب الطهارة الداخلية (طهارة الباطن).

لندرس المعنى العميق للطهارة. عندما هبط الجدان الأولان بسبب العالاقة الجنسية مع الشيطان، ورثا دم الموت من خال العضو الجنسي للرجل. من أجل إصاح الإنسان الهابط في مساره للعودة إلى الله كإبن له، أقام الله شعيرة الطهارة كشرط تعويض و كفارة: بقطع غلفة العضو التناسلي للرجل ليهرق منه الدم. الطهارة تعني إزالة دم الموت. الطهارة أيضا عالامة لاستعادة الرجل حقه في السيادة و كذلك عالامة لوعد الله باسترجاع الإنسان كإبن حقيقي له. هنالك ثالاثة أنواع من الطهارة: طهارة القلب (تثنية ١٠‎:‎١٦)، طهارة الغلفة (تكوين ١٧‎:‎١٠) و طهارة المخلوقات (لاويين ١٩‎:‎٢٢‎–‎٢٣).

من خلال المصائب العشر، أمر الله موسى أن يحرر الإسرائيليين من مصر (خروج ٧‎:‎١٤‎–‎١٢‎:‎٣٦). و قد دل ذلك أيضا على أنه سيأتي يسوع في المستقبل بآيات و معجزات لينقذ شعب الله المختار. عندما كان يعقوب يعاني إحدى و عشرين سنة من المشقة في حاران، غشه لابان عشر مرات و لم يعطه أجره المستحق (تكوين ٣١‎:‎٧). كذلك في مسار موسى الذي يسير على نهج مسار يعقوب، لم يستمر الفرعون فقط في ابتلاء الإسرائيليين بعد اكتمال فترة الأربعمائة سنة، و إنما غشهم عشر مرات بوعده الكاذب لهم بإطلاق سراحهم. في مقابل ذلك ضرب الله فرعون بالمصائب العشرة.

من بينها، كانت المصيبة التاسعة و العاشرة لهما معنى خاصا.

في المصيبة التاسعة غطى الله مصر بظام كثيف لثالاثة أيام بينما كانت المناطق التي يقطنها الإسرائيليون بها ضوء (خروج ١٠‎:‎٢١‎–‎٢٣). دل ذلك على أنه عندما يأتي يسوع، سيغطي الظلام منطقة الشيطان بينما يشرق نور الله على شعبه و يتم الفصل بين الجانبين.

بالنسبة للمصيبة العاشرة فقد أمات الله كل بكور المصريين و مواشيهم، بينما أمر الإسرائيليين أن يجعلوا دم الخراف على قوائم أبوابهم و العتبات العليا حتى يمر ملك الموت من فوقهم. كان بكور المصريين الذين هم في الجانب الشيطاني في موضع قابيل و قد ضربهم الله من أجل استعادة بني إسرائيل الذين كانوا في موضع هابيل إلى موضع الابن البكر. لقد استولى الشيطان على موضع الابن البكر، و بذلك كان له مركز القيادة طيلة مسار التاريخ تاركا الله وراءه (التطابق ٧). دلت هذه المصيبة على أنه عند مجيء يسوع سيضمحل الجانب الشيطاني، بينما سيُخَّلص الجانب الإلهي، الذي هو في موضع الابن الثاني، بواسطة فداء دم المسيح.

لقد أخذ موسى معه ثروة طائلة من مصر (خروج ١٢‎:‎٣٥‎–‎٣٦). و دل ذلك على استعادة كل الأشياء المخلوقة عند مجيء يسوع.

بعد كل مصيبة جعل الله قلب فرعون أكثر قسوة (خروج ٤‎:‎٢١، ١٠‎:‎٢٧). هنالك عدة أسباب لذلك. أولا، بتكراره لإظهار قوته، أراد الله أن يري الإسرائيليين أنه هو الله (خروج ١٠‎:‎١‎–‎٢). ثانيا، أراد الله من فرعون أن يشدد من قبضته على الإسرائيليين قبل أن يجبره على إطلاق سراحهم ؛ عندها سيعرف فرعون كم هو ضعيف، فيتخلى عن أي تشبث بالإسرائيليين بعد مغادرتهم. ثالثا، أراد الله أن يقطع أي ارتباط للإسرائيليين بمصر بإثارة مشاعر العداء تجاه الفرعون.

دبر الله لبداية المسار القومي الأول بقتل موسى للمصري، و لكن هذا المسار قد أُجْهِضَ عندما لم يثق الإسرائيليون في موسى. عند تدبيره لبداية المسار القومي الثاني، وهب الله للإسرائيليين الآيات الثلاث و المصائب العشر. عندما شاهد الإسرائيليون هذه المعجزات آمنوا فعلا بأن موسى مرسل من الله كقائد لهم. لقد آمنوا و اتبعوا موسى، الرمز الهابيلي الذي وضع القاعدة القومية للإيمان. بذلك استطاع الإسرائيليون أن يبدأوا المسار القومي الثاني لاستعادة كنعان.

لكن شرط التعويض لإزالة الطبيعة الهابطة يحتاج من الإسرائيليين إلى إيمان أكبر من مجرد ثقتهم و اتباعهم لموسى و هو يصنع المعجزات. بسبب فشلهم السابق لتحقيق هذا الشرط، ادعى الشيطان الحق في كل المسار لاستعادة كنعان. على الإسرائيليين الآن استرجاع هذا المسار ببقائهم مؤمنين و مطيعين لموسى طوال الرحلة. بهذه الطريقة فقط يمكنهم أن يحققوا شرط التعويض القومي لإزالة الطبيعة الهابطة. لن تؤسس القاعدة القومية الجوهرية إلا بعد أن يعبروا البرية بإيمان لا يتزحزح في موسى، و يدخلوا أرض كنعان.

إن التدبير الإلهي لبداية المسار القومي الثاني لاسترجاع كنعان قد أقيم بنعمة أكبر من المسار الأول. لكن بما أن التمديد و التأخير كان بسبب قلة إيمانهم، فإن شرط التعويض الذي على الإسرائيليين تحقيقه كان أثقل هذه المرة. في المسار الأول، لو أن الإسرائيليين اتبعوا موسى، لكان قد قادهم إلى الطريق المباشر خلال أرض الفلسطينيين، و لدخلوا كنعان في واحد و عشرين يوما و هي تماثل مسار يعقوب لمدة إحدى و عشرين سنة في حاران. و لكن في المسار الثاني لم يَقُدْ الله الشعب في الطريق المباشر. كان يخشى عليهم لو أنهم واجهوا الفلسطينيين المُحِبِين للحَرب ربما فقدوا إيمانهم مرة أخرى و رجعوا إلى مصر (خروج ١٣‎:‎١٧). بدلا عن ذلك قادهم الله عبر البحر الأحمر و البرية في طريق طويل. كانت خطة الله هي أن يقودهم إلى كنعان بعد واحد و عشرين شهرا.

عليه بدأ الإسرائيليون مسارا لمدة واحد و عشرين شهرا في البرية تحت قيادة موسى.

لندرس هذا المسار و نرى كيف وضع كمسار نموذجي ليسوع كي يقود البشرية في المسار العالمي لاسترجاع كنعان.

عندما أعطى الفرعون موسى، و هو حانق، الإذن للإسرائيليين لتقديم أضحياتهم في مصر طالب موسى بالمزيد بقوله: لا يصلح أن تفعل هكذا لأننا إنما نذبح رجس المصريين للرب إلهنا، إن ذبحنا رجس المصريين أمام عيونهم أفلا يرجموننا؟ نذهب سفر ثلاثة أيام في البرية و نذبح للرب إلهنا كما يقول لنا. (خروج ٨‎:‎٢٦‎–‎٢٧)

لقد طلب موسى ثالاثة أيام بِنِيَّة خداع فرعون ليقود الشعب مرة واحدة خارج مصر. هذه الأيام الثالاثة تحمل نفس معنى الأيام الثالاثة التي قضاها إبراهيم في جبل موريا ليقطع فيها حباله مع الشيطان قبل أن يتمكن من تقديم اسحق كأضحية. و منذ عهد إبراهيم صارت هذه هي فترة التعويض المطلوبة لالانفصال عن الشيطان عند بداية كل مسار في العناية الإلهية. عندما شرع يعقوب في مساره لاسترجاع كنعان، كانت هنالك فترة ثالاثة أيام عندما قطع ارتباطه بالشيطان بخداعه لابان و مغادرته حاران (تكوين ٣١‎:‎١٩‎–‎٢٢). كذلك عند بداية هذا المسار القومي، طلب موسى أن يغادر لثالاثة أيام و هو ينوي خدعة الفرعون لكي يحرر شعبه من العبودية. لذلك فإن يسوع سيبدأ المسار الروحي للرجعى بعد مرور فترة ثالاثة أيام، لالانفصال عن الشيطان قبل قيامته منتصرا.

الإسرائيليون الذين كان عددهم ٠٠٠‎.‎٦٠٠ حسب الكتاب المقدس، غادروا رمسيس في اليوم الخامس عشر من الشهر الأول بالتقويم العبري (خروج ١٢‎:‎٣٧، عدد ٣٣‎:‎٣).

و قد حفظوا أمر الله طوال رحلة الأيام الثلاثة إلى الناحية التي عسكروا فيها عند سكوت. منذ ذلك الوقت أنعم الله عليهم بعمود الدخان نهارا و عمود النار ليلا ليدلهم للطريق (خروج ١٣‎:‎٢١). عمود الدخان الذي قاد الإسرائيليين بالنهار (يانغ) يرمز ليسوع الذي سيقود في المستقبل شعب إسرائيل في المسار العالمي لاسترجاع كنعان. عمود النار ليلا (ين) يرمز للروح القدس، التي ستقودهم كروح مؤنثة.

عند ساحل البحر الأحمر، و بأمر الله، رفع موسى عصاه فانفلقت المياه، و قاد الإسرائيليين عبر الأرض اليابسة. و غرق المصريون الذين كانوا يطاردونهم بالمركبات و ابتلعهم البحر (خروج ١٤‎:‎٢١‎–‎٢٨). كما أوضحنا سابقا، كان موسى يمثل الله أمام فرعون (خروج ٧‎:‎١)، و عصا موسى تمثل يسوع، الذي سيظهر قدرة الله في المستقبل. لذلك تنبأت هذه المعجزة بما سيحدث عند مجيء يسوع. سيطارد الشيطان المؤمنين الذين يتبعون يسوع في مساره العالمي لاسترجاع كنعان، و لكن يسوع سيرفع قضيب الحديد (رؤيا ٢‎:‎٢٧، مزامير ٢‎:‎٩، قضيب الحديد يعني كلمة الله، اليوم الآخر ٣‎-‎٢‎-‎٢) و يضرب بحر هذا العالم المضطرب (استعمل الكتاب المقدس الماء كرمز للعالم الخاطئ (رؤيا ١٧‎:‎١٥) لذلك يشار لهذا العالم أحيانا بالبحر المضطرب). ستنفلق المياه و تكشف عن طريق ممهد يسير فيه المؤمنون، بينما يتدهور الشيطان الذي يطاردهم و يضمحل.

لقد عبر الإسرائيليون البحر الأحمر و وصلوا إلى برية سين في اليوم الخامس عشر من الشهر الثاني. منذ ذلك الحين و إلى أن وصلوا الأرض المعمورة، أطعمهم الله المَنَّ و السلوى (خروج ١٦‎:‎١٣‎–‎٣٥). المن و السلوى يعنيان جسد يسوع و دمه اللذان يهبان الحياة أثناء المسار العالمي لاسترجاع كنعان، لذلك قال يسوع: آباؤكم أكلوا المن في البرية و ماتوا. أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء. إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد … إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان و تشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم (يوحنا ٦‎:‎٤٩‎–‎٥٣)

عندما غادر الإسرائيليون برية سين و عسكروا في رفيديم، لم يكن هنالك ماء يشرب منه الشعب. أمر الله موسى أن يضرب الصخرة عند حوريب، لعل الماء ينبجس منها. فعل موسى ذلك و أعطى الشعب الماء الذي أنقذ حياتهم (خروج ١٧‎:‎٦). لقد كتب القديس بولس «الصخرة كانت يسوع» (كورنثوس الأولى ١٠‎:‎٤)، بالتالي فإن معجزة خروج الماء من الصخر دلت على أن المسيح سينقذ كل البشرية بماء الحياة، التي قال عنها يسوع «من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا، فلن يعطش إلى الأبد» (يوحنا ٤‎:‎١٤).

يرمز لوحا الحجر اللذان تلقاهما موسى في جبل سيناء إلى يسوع و عروسه المفترضة ؛ و يرمز الصخر الذي قطع منه لوحي الحجر إلى الله. عندما ضرب موسى الصخرة و أعطى الشعب ماءً، كان ذلك هو الأساس الذي مكن موسى من تلقي الألواح و صناعة تابوت العهد و خيمة الاجتماع.

لقد حارب يشوع العماليق عند رفيديم. كلما رفع موسى يديه انتصر الإسرائيليون، و كلما أنزل موسى يديه ينهزمون. فجلس موسى على كومة من الحجارة و حمل هارون و حور يديه من اليمين و الشمال و هما مرفوعتان حتى تمكن يشوع من هزيمة ملك عماليق و قواته (خروج ١٧‎:‎١٠‎–‎١٣). كذلك أظهر هذا ما سيحدث عند مجيء يسوع، فقد رمز يشوع للمؤمنين و العماليق يرمزون للعالم الشيطاني هارون و حور يرمزان ليسوع و الروح القدس. إن حمل هارون و حور ليدي موسى حتى انتصر يشوع على العماليق يدل على أن المؤمنين الذين يعبدون الثالوث الله، يسوع، و الروح القدس سيتغلبون على كل شيطان يواجههم.

٢‎-‎٢‎-‎٢‎-‎٣ عناية الله للرجعى و خيمة الاجتماع

تلقى الإسرائيليون ألواح الحجر و خيمة الاجتماع و تابوت العهد. لنفحص أولا كيف تلقوها. وصل الإسرائيليون إلى برية سيناء عند بداية الشهر الثالث، بعد انتصارهم على العماليق (خروج ١٩‎:‎١). فأخذ موسى سبعين من شيوخ إسرائيل و صعدوا إلى جبل سيناء لملاقاة الرب. نودي موسى لوحده إلى قمة جبل سيناء حيث أمره الله أن يصوم أربعين يوما لكي يتلقى الوصايا العشر مكتوبة على ألواح الحجر (خروج ٢٤‎:‎٩‎–‎١٠، ١٨). أثناء صيامه تلقى موسى تعليمات بخصوص تابوت العهد و خيمة الاجتماع (خروج ٢٥‎–‎٣١). عند انتهاء فترة الصيام الأربعينية، تلقى موسى لوحين من الحجر مكتوب بيد الله فيهما الوصايا العشر (خروج ٣١‎:‎١٨).

عندما نزل موسى من جبل سيناء و هو يحمل الألواح و وقف بها أمام الإسرائيليين، وجدهم يعبدون عجلا من الذهب. أمروا هارون ليصنعه أثناء غياب موسى لهم و عند إتمامه أعلنوا أن هذا العجل هو إلههم الذي أخرجهم من مصر. اشتعل موسى غضبا عندما رأى ذلك و ألقى بالألواح فتهشمت عند أسفل الجبل (خروج ٣٢‎:‎١‎–‎١٩). ظهر الله لموسى و أخبره أن ينحت زوجا آخر من الألواح تشبه تلك الأولى، و وعده بأن يكتب عليها الوصايا العشر مرة أخرى. صعد موسى إلى الجبل و مثل أمام الله و صام أربعين يوما أخرى. أملى الله على موسى الوصايا العشر، و كتبها موسى على الألواح (خروج ٣٤‎:‎١، ٢٧‎–‎٢٨). فأخذ موسى الألواح و ذهب بها أمام الإسرائيليين مرة أخرى. في هذه المرة قدروا موسى و احترموه و بنوا تابوت العهد طاعة له و اتباعا لتوجيهاته، ثم شيدوا خيمة الاجتماع (خروج ٣٥‎–‎٤٠).

٢‎-‎٢‎-‎٢‎-‎٣‎-‎١ المعنى و الغاية من الألواح و خيمة الاجتماع و تابوت العهد

ما المعنى الذي تحمله الألواح ؟ عندما تلقى موسى الألواح منحوت عليها كلمة الله كان ذلك يعني انتهاء عصر العناية لوضع القاعدة للرجعى و الإصلاح، حين كان الإنسان الهابط يتصل بالله عن طريق الأضاحي، و بداية عصر العناية للرجعى و الإصلاح حيث يمكنه الاتصال بالله بواسطة كلمة الوحي. لقد وضح سابقا أنه لو أن آدم و حواء اللذان خلقا بواسطة الكلمة صارا كاملين، لصارا تجسيدا للكلمة. لكنهما هبطا و فقدا كلمة الله (الرجعى و الإصلاح ١‎-‎٢‎-‎١).

لقد تلقى موسى لوحي الحجر منقوشا عليهما كلمة الله بعد أن صام أربعين يوما للانفصال عن الشيطان، و هذا يعني الاستعادة الرمزية لآدم و حواء المستعادين، تبعا لذلك فإن لوحي الحجر يرمزان ليسوع و عروسه المفترضة اللذين سيأتيان كتجسيد للكلمة. في الكتاب المقدس يرمز ليسوع بالحجر الأبيض (رؤيا ٢‎:‎١٧). مكتوب «الصخرة هي المسيح» (كورنثوس الأولى ١٠‎:‎٤) كرمز ليسوع و عروسه المفترضة، لوحا الحجر كذلك يرمزان للسماء و الأرض.

إلى ماذا ترمز خيمة الاجتماع ؟ لقد ربط يسوع بين جسده و الهيكل في أورشليم (يوحنا ٢‎:‎١٩‎–‎٢١). و نحن الذين نؤمن به نسمى هياكل الله (كورنثوس الأولى ٣‎:‎١٦). بذلك يكون الهيكل ممثلا ليسوع بالصورة. لو نجح الإسرائيليون في المسار الأول لاسترجاع كنعان تحت قيادة موسى، لكانوا بمجرد دخولهم أرض كنعان سيبنون الهيكل و يستعدون لاستقبال المسيح. و لكن بسبب عدم إيمانهم، فإن المسار الأول قد أجهض منذ البداية. في المسار الثاني قادهم الله في رحلة ملتوية عبر البحر الأحمر و البرية و لم يتمكنوا من بنيان الهيكل، بدلا عن ذلك أمرهم الله ببنيان خيمة الاجتماع التي تمثل يسوع رمزيا. عندما أمر الله موسى ببناء خيمة الاجتماع قال له «فيضعون لي مقدسا لأسكن في وسطهم» (خروج ٢٥‎:‎٨).

خيمة الاجتماع مقسومة إلى قسمين: المنطقة المقدسة (القدس) و المنطقة الأكثر تقديسا (قدس الأقداس). المنطقة الأكثر تقديسا لا يدخلها إلا كبير الكهنة مرة واحدة في السنة عند تقديم قرابين يوم الكفارة. المنطقة الأكثر تقديسا هي المنطقة التي يحفظ فيها تابوت العهد. هنا حضور الرب. و هي ترمز لروح يسوع. المنطقة المقدسة تحتوي على المنارة و هيكل للبخور و مائدة لخبز الحضرة. هذه المنطقة يدخلها الكاهن يوميا للخدمة. و هي ترمز لجسد يسوع. علاوة على ذلك، المنطقة الأكثر قدسية ترمز للعالم الروحي، بينما المنطقة المقدسة ترمز للعالم المادي. عندما صلب يسوع، تمزقت الستارة التي تفصل بين القدس و قدس الأقداس إلى نصفين من أعلى إلى أسفل (متى ٢٧‎:‎٥١). و كان ذلك يعني أن صلب يسوع قد وضع الأساس للخلاص الروحي عندما انفتح الباب بين الروح و الجسد أو بين السماء و الأرض.

إلى ماذا يرمز تابوت العهد ؟ يحتوي التابوت على شهادات عهد الله. و هو محفوظ في قدس الأقداس، و يحتوي على لوحي الحجر الذين يرمزان ليسوع و عروسه المفترضة و السماء و الأرض. كذلك يحتوي على المن، الغذاء الرئيسي للإسرائيليين في فترة التيه، و الذي يرمز إلى جسد يسوع. لقد وضع المن داخل جرة ذهبية، و هي ترمز لمجد الله. كذلك يحتوي تابوت العهد على عصا هارون، التي اخضرت و أخرجت براعما تجسيدا لقدرة الله (عبرانيين ٩‎:‎٤). بذلك يكون التابوت يمثل الكون، و في نفس الوقت هو جسم مصغر لخيمة الاجتماع.

وُضِعَ كرسي الرحمة في أعلى تابوت العهد، و وضع كروبان مصنوعان من الذهب على جانبي كرسي الرحمة، و يظللاه بجناحيهما. و وعدهم الله أن يظهر على كرسي الرحمة، بين الكروبين، و هنالك يعطي إرشاداته للإسرائيليين (خروج ٢٥‎:‎١٧‎–‎٢٢). و هذه دلالة على أن يسوع و عروسه، اللذين رمز لهما بلوحي الحجر، سيأتيان و يغسلان خطايا الناس، سيظهر الله على كرسي الرحمة و يفتح طريقا بين الكروبين اللذين يسدان الطريق إلى شجرة الحياة في جنة عدن (تكوين ٣‎:‎٢٤). عندها سيتمكن كل فرد من الوقوف أمام يسوع، شجرة الحياة، و يتلقى كلمة الله كاملة.

لماذا أعطى الله لوحي الحجر و خيمة الاجتماع و تابوت العهد ؟ عندما خرج الإسرائيليون إلى البرية، بعد إكمالهم فترة الأربعمائة سنة التعويضية المفروضة عليهم بسبب خطأ إبراهيم عند تقديم القربان، ضرب الله المصريين بالآيات و المصائب و أغرق جنود المصريين الذين حاولوا مطاردة الإسرائيليين عبر البحر الأحمر. لن يستطيع الإسرائيليون العودة لمصر، ليس فقط لأن الله سيمنع ذلك، و إنما لأنهم صاروا أعداءً ألداء للمصريين، و ليس لديهم خيار غير إكمال الرحلة إلى كنعان ؛ لقد قادهم الله إلى نقطة اللاعودة.

رغما عن كل ذلك فقد الإسرائيليون إيمانهم مرات عديدة خلال رحلتهم هذه، و في النهاية كانت هنالك خطورة على موسى أن يتصرف بدون إيمان. كي يعالج الله هذا الوضع، أقام الله موضوعا للإيمان، موضوعا لا يتغير و إن تغير الناس. حتى لو بقي شخص واحد يقدس ذلك الموضوع بإيمان تام، فإن الله سيواصل أمر عنايته من خلاله. سيرث ذلك الشخص مهمة خدمة موضوع الإيمان، كما يستلم المتسابق القصبة من متسابق آخر في سباق التبادل.

إن خيمة الاجتماع التي بداخلها التابوت و الألواح هي موضوع الإيمان. بما أن خيمة الاجتماع تمثل المسيح، فإنه عندما بنى الإسرائيليون خيمة الاجتماع، كان ذلك يعني أن المسيح قد جاء فعلا رمزيا.

على الإسرائيليين أن يقدسوا و يكرموا خيمة الاجتماع، و كأنها هي المسيح. و يعودوا إلى أرض كنعان المباركة تحت قيادة موسى، و بذلك يضعون القاعدة الجوهرية القومية. حتى و إن فقد جميع الإسرائيليين الإيمان، فإنه طالما أن موسى مستمر في تقديس خيمة الاجتماع، سيسمح للشعب أن يكّفر عن قلة إيمانه و يصلحه بواسطة إيمان موسى الراسخ. علاوة على ذلك، حتى و إن فقد موسى إيمانه، فإنه طالما أن أي فرد من الإسرائيليين يقدس خيمة الاجتماع في مكان موسى، سيعمل الله من خلال ذلك الشخص لاسترجاع كل الشعب.

لو أن الإسرائيليين وثقوا في موسى، و دخلوا كنعان في المسار القومي الأول للعبت أسرة موسى دور خيمة الاجتماع، و لكان موسى نفسه يلعب دور الألواح و تابوت العهد. كانت أسرة موسى ستكون حاملة الشريعة الإلهية. عندها سيبني الإسرائيليون الهيكل في ارض كنعان بدون الحاجة إلى الألواح أو تابوت العهد أو خيمة الاجتماع. أعطيت هذه الأشياء كوسائل للخلاص فقط عندما فقد الشعب إيمانه. يحتاج الإسرائيليون لخيمة الاجتماع، الممثل الرمزي ليسوع و عروسه المفترضة، فقط حتى تشييد الهيكل. الهيكل كممثل صوري ليسوع و عروسه المفترضة، يحتاج له الإسرائيليون فقط حتى مجيء المسيح الذي يجسد الهيكل.

٢‎-‎٢‎-‎٢‎-‎٣‎-‎٢ قاعدة خيمة الاجتماع

بما أنه لا بد أولا من وضع قاعدة لتلقي المسيح، فإنه كذلك لا بد أولا من وضع قاعدة لكي يتمكن الإسرائيليون من تقديس خيمة الاجتماع، الممثل الرمزي للمسيح. و بالطبع لكي توضع قاعدة خيمة الاجتماع نحتاج لوضع قاعدة للإيمان و قاعدة جوهرية لخيمة الاجتماع. لنبحث في الكيفية التي وضع بها الإسرائيليون هاتين القاعدتين تحت قيادة موسى.

على موسى أن يتبع توجيهات الله و يضع قاعدة إيمان لخيمة الاجتماع بصيامه و صلاته أربعين يوما، لكي ينفصل عن الشيطان. على هذه القاعدة الإيمانية من أجل خيمة الاجتماع، كان على الإسرائيليين أن يؤمنوا و يتبعوا و يساندوا موسى و هو يعمل لإقامة خيمة الاجتماع. بذلك يكونوا قد أوفوا بشرط التعويض لإزالة الطبيعة الهابطة و وضعوا القاعدة الجوهرية لخيمة الاجتماع. خيمة الاجتماع هنا تشمل الألواح و تابوت العهد.

٢‎-‎٢‎-‎٢‎-‎٣‎-‎٢‎-‎١ القاعدة الأولى لخيمة الاجتماع

خلق الإنسان في اليوم السادس ليكون تجسيدا للكلمة (يوحنا ١‎:‎٣). عليه، لكي يعطي الله الكلمة التي تعيد خلق الإنسان الهابط و إصلاحه، عليه أولا أن يسترجع العدد ٦. لهذا السبب طهر الله جبل سيناء بتغطيته له بسحب المجد لستة أيام و في اليوم السابع ظهر و نادى موسى من وسط السحاب. و من تلك اللحظة بدأ موسى صيامه لأربعين يوم و ليلة (خروج ٢٤‎:‎١٦‎–‎١٨). وجه الله موسى أن يقيم فترة أربعينية للانفصال عن الشيطان لأجل أن يضع قاعدة الإيمان لخيمة الاجتماع، المسيح الرمزي. رأى الله أن ذلك ضروريا لأن الإسرائيليين قد فقدوا إيمانهم بعد عبورهم البحر الأحمر (خروج ١٦‎:‎١‎–‎١٢، ١٧‎:‎٢‎–‎٤).

كما ذكر سابقا، فإن شرط التعويض لإزالة الطبيعة الهابطة خلال مسار الإسرائيليين لاسترجاع كنعان لا يتم بإيمانهم و اتباعهم لموسى لوقت محدود قصير حينما كان يعمل المعجزات، و إنما يتم بإيمانهم و طاعتهم له حتى يدخلون أرض كنعان، و يبنون الهيكل، و يتلقون المسيح. كذلك لكي يزيلوا الطبيعة الهابطة لتحقيق شرط التعويض و يضعوا القاعدة الجوهرية لخيمة الاجتماع، على الإسرائيليين أن يطيعوا موسى بإيمان من اللحظة التي صعد فيها للجبل ليصوم أربعين يوما حتى اليوم الذي يتمون فيه بناء خيمة الاجتماع. لكن و بينما موسى صائما يصلي في الجبل، فقد الشعب إيمانه و عبد العجل. و بالتالي لم تؤسس القاعدة الجوهرية لخيمة الاجتماع.

بما أن الإنسان نفسه قد فقد الأساس للكلمة، لذلك عليه أن يتمم مسئوليته لاسترجاع الأساس الذي يتلقاها به مرة أخرى. لذلك فإن الله لا يتدخل في أفعال الناس و هم يعملون لأجل استعادة الكلمة. لهذا السبب و رغما عن أن الله قد قاد الإسرائيليين بآيات و معجزات، إلا أنه لم يتدخل عندما أخطأوا. عندما رأى موسى الإسرائيليين و هم يعبدون الصنم و يرقصون من حوله، تميز من الغضب و ألقى الألواح و حطمها (خروج ٣٢‎:‎١٩). نتيجة لذلك دخل الشيطان في قاعدة الإيمان لخيمة الاجتماع.

كما شرح سابقا، فإن لوحي الحجر يرمزان ليسوع و عروسه المفترضة، اللذين سيأتيان في مقام آدم و حواء المستعادين. لقد دل هذا الحدث على أن يسوع إذا جاء و وجد اليهود بلا إيمان، ربما كان عليه أن يموت في الصليب بدون أن يكمل رسالته الأساسية التي يكلفه بها الله مع عروسه المفترضة.

إن قلة إيمان الإسرائيليين عند جبل سيناء قوضت مشروع العناية الإلهية لتأسيس القاعدة لخيمة الاجتماع. و كل المجهود الإلهي الجبار لفصلهم عن الشيطان و تعميق طاعتهم لموسى قد ذهب أدراج الرياح. لذلك أعاد الله عنايته لتأسيس القاعدة لخيمة الاجتماع مرة ثانية، ثم مرة ثالثة.

٢‎-‎٢‎-‎٢‎-‎٣‎-‎٢‎-‎٢ القاعدة الثانية لخيمة الاجتماع

لقد أثبت الإسرائيليون قلة إيمان بالتدبير الإلهي لتلقي و تشييد خيمة الاجتماع، و لكن لأنهم يقفون على قاعدة شربهم للماء من الصخرة في رفيديم التي ترمز إلى أصل الألواح، فقد أعطوا فرصة ثانية. ظهر الله لموسى بعد تحطيمه للألواح و وعده بنسخة أخرى من كلمته. هذه المرة طلب الله من موسى نفسه أن ينحت الألواح التي سيكتب له فيها الوصايا. علاوة على ذلك، لم يستطع موسى استعادة الألواح أو بنيان خيمة الاجتماع بدون أن يستعيد أولا قاعدة الإيمان لخيمة الاجتماع و ذلك بتحقيقه مرة أخرى فترة أربعينية للانفصال عن الشيطان. لذلك كان على موسى أن يصوم أربعين يوما مرة أخرى قبل أن يحصل على الألواح مرة أخرى منقوش عليها الوصايا العشر (خروج ٣٤‎:‎٢٨)، و يقيم خيمة الاجتماع كموضوع للإيمان. هذه المرة، انتظر الإسرائيليون بإيمان عودة موسى.

إن جهود موسى الناجحة لاسترجاع الألواح المحطمة بصيامه أربعين يوما، و إيمان الإسرائيليين به دلت على أن يسوع لو صلب يمكنه أن يعود و يقيم أساسا جديدا للخلاص، إذا ما حقق المؤمنون المخلصون شرط التعويض لاستقباله خلال قيامته الأربعينية التي انفصل فيها عن الشيطان.

بتمسكهم بإيمانهم عندما كان موسى صائما في أعلى الجبل، ثم بطاعتهم له و هو يأمرهم ببناء خيمة الاجتماع حقق الإسرائيليون شرط التعويض لإزالة الطبيعة الهابطة، و بذلك وضعت القاعدة الجوهرية لخيمة الاجتماع و قاعدة خيمة الاجتماع. لقد بنيت خيمة الاجتماع في اليوم الأول من الشهر الأول من السنة الثانية (خروج ٤٠‎:‎١٧).

و لكن، و كما ذكر سابقا، فإن القاعدة الجوهرية في المسار القومي الثاني لاسترجاع كنعان تحتاج إلى أكثر من مجرد تشييد خيمة الاجتماع. في الحقيقة كان عليهم أن يحترموا خيمة الاجتماع و يقدروها أكثر من حياتهم، كان عليهم أن يحافظوا على نفس مستوى الإيمان إلى أن يدخلوا أرض كنعان و يشيدوا الهيكل و يستقبلوا المسيح.

في اليوم العشرين من الشهر الثاني من السنة الثانية سار الإسرائيليون من برية سيناء صفوفا حول خيمة الاجتماع يقودهم عمود السحاب (عدد ١٠‎:‎١١‎–‎١٢). و لكن سرعان ما بدأوا يتذمرون و يحتجون على معاناتهم، و بدأوا يتحدثون عن موسى و يؤذونه في السر. بالرغم من أن الله قد دمر معسكرهم عندما ثار غضبه عليهم، لم يتب الإسرائيليون و استمروا في تذمرهم و نياحهم بأنهم ليس لهم من طعام إلا المن، و صاروا حانقين على موسى، و صاروا يتوقون لأكل اللحم و الفواكه و الخضروات و رفاهيات مصر (عدد ١١‎:‎١‎–‎٦). بذلك فشل الإسرائيليون في الحفاظ على القاعدة الثانية لخيمة الاجتماع، لقد دخلها الشيطان، و تأخرت العناية الإلهية و امتدت إلى محاولة ثالثة.

٢‎-‎٢‎-‎٢‎-‎٣‎-‎٢‎-‎٣ القاعدة الثالثة لخيمة الاجتماع

بالرغم من أن الشيطان قد دنس القاعدة الثانية لخيمة الاجتماع، إلا أن إيمان موسى و إخلاصه لخيمة الاجتماع بقي ثابتا و لم يتغير. لذلك وقفت خيمة الاجتماع صامدة على قاعدة الإيمان التي وضعها موسى، بينما الإسرائيليون لا زالوا يقفون على قاعدة شربهم للماء من صخرة رفيديم (خروج ١٧‎:‎٦). الصخرة، كما ذكرنا، هي مصدر الألواح التي هي مركز خيمة الاجتماع. على هذا الأساس سمح للإسرائيليين بمحاولة فترة أربعينية أخرى للانفصال عن الشيطان. بطاعتهم لموسى الذي لا يزال يحترم خيمة الاجتماع، كان عليهم أن يستعيدوا بواسطة التعويض قاعدة خيمة الاجتماع في محاولتهم الثالثة. إن فترة الأربعين يوم للتجسس في أرض كنعان هي الشرط الذي أُعطِي لهم لتحقيق ذلك.

أمر الله موسى أن يختار قائدا من كل قبيلة من قبائل إسرائيل الاثني عشر و يرسلهم ليتجسسوا في أرض كنعان لمدة أربعين يوم (عدد ١٣‎:‎١ ، ٢٥). عندما عادوا كانت كل تقاريرهم تدل على قلة إيمان ما عدا يشوع و كالب: إن الشعب الساكن في الأرض قوي، و المدن حصينة و عظيمة جدا … هي أرض تفترس سكانها، و جميع الشعب الذي رأينا فيها أناس طوال القامة … فَبَدَونَا في أعين أنفسنا كالجراد، و هكذا كنا في أعينهم (عدد ١٣‎:‎٢٨، ٣٢‎–‎٣٣) لقد خلصوا إلى أن الإسرائيليين لا يستطيعون احتلال مدن كنعان الحصينة، و لا هزيمة أهلها. باستماعهم لهذا التقرير بدأ الإسرائيليون يتكلمون سرا مرة أخرى عن موسى، و طالبوا بزعيم جديد يعود بهم إلى مصر.

ما عدا يشوع و كالب اللذان طلبا من الشعب ألا يخاف، بل يهاجم الكنعانيين إطاعة لأمر الله: لا تتمردوا على الرب و لا تخافوا من شعب الأرض لأنهم خبزنا. قد زال عنهم ظلهم و الرب معنا لا تخافوهم (عدد ١٤‎:‎٩) لم يقبل الإسرائيليون هذا الحض و النصح و حاولوا رجم يشوع و كالب. في تلك اللحظة ظهر مجد الرب لجميع الشعب، و قال الله لموسى: حتى متى يهينني هذا الشعب، و حتى متى لا يصدقوني بجميع الآيات التي عملت في وسطهم (عدد ١٤‎:‎١١) و أما أطفالكم الذين قلتم يكونون غنيمة فإني سأدخلهم فيعرفون الأرض التي احتقرتموها. فجثثكم أنتم تسقط في هذا القفر، و بنوكم يكونون رعاة في القفر اربعين سنة، و يحملون فجوركم حتى تفنى جثثكم في القفر. كعدد الأيام التي تجسستم فيها الأرض أربعين يوما للسنة يوم تحملون ذنوبكم أربعين سنة فتعرفون ابتعادي (عدد ١٤‎:‎٣١‎-‎٣٤)

نتيجة لقلة إيمانهم فإن القاعدة الثالثة لخيمة الاجتماع انتهت إلى فشل. و مسارهم الذي استمر لواحد و عشرين شهرا سيمتد لأربعين سنة.

٢‎-‎٢‎-‎٢‎-‎٤ فشل المسار القومي الثاني لاسترجاع كنعان

بسبب عدم إيمان الإسرائيليين، فإن قاعدة خيمة الاجتماع قد دخلها الشيطان ثلاث مرات. لذلك فإن شرط التعويض القومي لإزالة الطبيعة الهابطة لم يتحقق. و القاعدة الجوهرية للمسار القومي الثاني لاسترجاع كنعان لم توضع. بالتالي، فإن كل المسار القومي الثاني لاسترجاع كنعان قد انتهى بالفشل. لقد امتدت عناية الله إلى مسار قومي ثالث.

٢‎-‎٢‎-‎٣ المسار القومي الثالث لاسترجاع كنعان

٢‎-‎٢‎-‎٣‎-‎١ قاعدة الإيمان

فشل المسار القومي الثاني لاسترجاع كنعان بسبب عدم إيمان الإسرائيليين و خوفهم عند سماع تقارير الجواسيس غير المؤمنين. لقد دخل الشيطان في الأربعين سنة التي قضاها موسى في برية ميديان و هو يسترجع قاعدة الإيمان. نتيجة لفشل مهمة التجسس، كان على الشعب أن يتيه في البرية لأربعين سنة، سنة عن كل يوم من أيام التجسس الأربعين. حتى عادوا إلى قادش برنيع. بالنسبة لموسى هذه الأربعين سنة كانت من أجل الانفصال عن الشيطان، الذي دخل في قاعدة الإيمان السابقة، و من أجل استعادة قاعدة الإيمان للمسار الثالث عن طريق التعويض. لقد قدس موسى خيمة الاجتماع بولاء و إخلاص طيلة سنوات التيه الأربعين و عندما عاد إلى قادش برنيع كان قد أكمل قاعدة الإيمان للمسار القومي الثالث لاسترجاع كنعان، و بذلك أمن موضع هابيل للقاعدة الجوهرية.

٢‎-‎٢‎-‎٣‎-‎٢ القاعدة الجوهرية

لقد انتهت القاعدة الجوهرية في المسار الثاني بالفشل بسبب عدم الإيمان المستمر من الشعب، و دنس الشيطان قاعدة خيمة الاجتماع. لكن على الأقل بقيت قاعدة الإيمان لخيمة الاجتماع سليمة، لقد حفظها إيمان موسى و إخلاصه المستمر. فلو أن الإسرائيليين، و على هذه القاعدة، قد اتبعوا موسى بإيمان خلال الأربعين سنة في التيه في البرية، و أقاموا القاعدة للانفصال عن الشيطان، لأقاموا القاعدة الجوهرية لخيمة الاجتماع، و لأتموا القاعدة لخيمة الاجتماع. ثم لو أنهم احترموا موسى و أطاعوه و دخلوا إلى كنعان بإيمان، لكانوا قد أكملوا القاعدة الجوهرية للمسار القومي الثالث لاستعادة كنعان.

بالنسبة لموسى كانت الأربعين سنة من التيه في البرية هي الفترة المطلوبة لتأسيس قاعدة الإيمان للمسار القومي الثالث. بالنسبة للإسرائيليين كان الهدف من هذه الفترة هو إنجاز التدبير الإلهي لبداية المسار الثالث. عليهم أن يفعلوا ذلك بإقامتهم لقاعدة خيمة الاجتماع، و بذلك يعودون إلى حالة النعمة التي تمتعوا بها في المسار الثاني عندما أسسوا خيمة الاجتماع تحت قيادة موسى

٢‎-‎٢‎-‎٣‎-‎٢‎-‎١ القاعدة الجوهرية المرتكزة على موسى

صارت الألواح و خيمة الاجتماع و تابوت العهد مهمة في المسار الثاني لأن الإسرائيليين فقدوا إيمانهم و هم في البرية. بمجرد أن عبروا البحر الأحمر، كانوا قد نسوا الآيات الثلاث التي أعطاهم إياها الله في تدبيره عند البداية. لإصلاح ذلك عن طريق الكفارة، امتحن الله الشعب خلال الأربعين يوم التي كان موسى فيها عند الجبل. فأعطاهم بعد ذلك مظهر نعمته، و هي لوحا الحجر و تابوت العهد و خيمة الاجتماع. علاوة على ذلك أعطى الله المصائب العشر لكي يصلح خدع لابان العشر ليعقوب في حاران. لكن عندما فقد الإسرائيليون الإيمان، بالرغم من مشاهدتهم لكل ذلك، حاول الله أن يستعيد المصائب العشر بواسطة التعويض فأعطاهم الوصايا العشر.

لو أن الإسرائيليين جددوا إيمانهم بتقديسهم لمظاهر نعمته الثلاثة و أطاعوا الوصايا العشر، لعادوا لحالة النعمة التي تمتعوا بها عندما غادروا مصر تحت سلطان تلك المعجزات. تبعا لذلك، في المسار الثالث، كان على الإسرائيليين إكمال أربعين سنة من التعويض باتباعهم لموسى بإيمان و طاعة و هم يعبرون البرية. عقب عودتهم إلى قادش برنيع، كان عليهم أن يقفوا مع موسى على قاعدة خيمة الاجتماع و يقدسوا الألواح و خيمة الاجتماع و تابوت العهد. لو فعلوا ذلك، لوقفوا في الموضع الذي تمتعوا به عند اكتمال التجهيزات لبداية المسار الثاني، عندما ضرب الله المصريين بالآيات الثلاث و المصائب العشر.

الألواح هي تمثيل مصغر للتابوت، و التابوت هو تمثيل للخيمة. عليه تكون الألواح هي تمثيل مصغر للخيمة. التابوت و الخيمة يمكن أن يمثلا بالألواح أو بأصلها، الصخرة. لذلك فإن المسار الثالث لاسترجاع كنعان سيبدأ عند قادش برنيع بإنجاز ضربة البداية القائمة على الصخرة. من ثم، لو أن الإسرائيليين احترموا الخيمة بإيمان و إخلاص و اتبعوا موسى إلى كنعان، لكانوا قد حققوا شرط التعويض لإزالة الطبيعة الهابطة المطلوب للقاعدة الجوهرية في المسار القومي الثالث.

كيف كان ينوي الله إنجاز ضربة البداية القائمة على الصخرة ؟ خلال الأربعين سنة من التيه في البرية، وقع الإسرائيليون مرة أخرى في الشكوى و قلة الإيمان. من أجل إنقاذهم، أمر الله موسى أن يضرب الحجر بعصاه لعلها تخرج ماء ليعطي منه الشعب ليشرب (عدد ٢٠‎:‎٤‎–‎٥ ، ٨).

كان على موسى أن يضرب الحجر مرة واحدة. و كان على الإسرائيليين أن يتحدوا معه، و يقفوا معه على قاعدة خيمة الاجتماع. بهذه الطريقة كانوا سينجزون ضربة البداية القائمة على الصخرة أو الحجر.

لكن عندما سمع موسى بالشعب يهمهم ضده يشكوا عدم الماء، ثار غاضبا و ضرب الحجر مرتين، فقال الله له: من أجل أنكما لم تؤمنا بي حتى تقدساني أمام أعين بني إسرائيل، لذلك لا تدخلان هذه الجماعة إلى الأرض التي أعطيتهم إياها (عدد ٢٠‎:‎١٢)

بضربه للصخرة مرتين، و كان من المفروض أن يضربها مرة واحدة، قوض موسى تدبير ضربة البداية القائم على الصخرة، و تبعا لذلك لم يسمح له بالدخول إلى أرض الميعاد، لم يستطع إلا النظر إليها من بعيد بنهاية حياته (عدد ٢٧‎:‎١٢‎–‎١٤).

لنبحث، لماذا كان على موسى أن يضرب الصخرة مرة واحدة، و لماذا كان ضربه لها مرة ثانية خطيئة.

الصخرة ترمز ليسوع المسيح (كورنثوش الأولى ١٠‎:‎٤ ؛ رؤيا ٢‎:‎١٧). بما أن يسوع قد جاء كشجرة حياة (رؤيا ٢٢‎:‎١٤ ؛ الهبوط ١‎-‎١‎-‎١)، فإن الصخرة يمكن أيضا أن ترى كشجرة حياة. شجرة الحياة أيضا هي رمز لآدم الكامل في جنة عدن، عليه فإن الصخرة ترمز لآدم الكامل.

في جنة عدن، كان على آدم أن يصير ناضجا ليكون النموذج الذي تمثله الصخرة. إلا أنه عندما جعله الشيطان يهبط، لم يستطع آدم أن يصير شجرة حياة أو صخرة تسقي أحفاده ماء الخلود. لذلك فإن الصخرة الخالية من الماء قبل أن يضربها موسى في المرة الأولى، ترمز لآدم الهابط. لكي يعوض الله عن فعل الشيطان بضربه آدم و حرمانه من أن يصير صخرة تعطي ماء الحياة، أمر الله موسى أن يضرب الصخرة مرة واحدة. عندما ضرب الصخرة و خرج منها الماء، حقق موسى شرط التعويض لإصلاح آدم و عودته كصخرة تعطي الماء.

الصخرة التي ضربت مرة واحدة، ترمز ليسوع الذي سيأتي ليعطي الإنسان الهابط ماء الحياة. لذلك قال يسوع: من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا، فلن يعطش إلى الأبد، بل الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية (يوحنا ٤‎:‎١٤)

لذلك أراد الله أن يضرب موسى الحجر مرة واحدة كتعويض و تكفير لآدم الهابط ليكون مصلحا و يعود في شخص آدم الثاني يسوع. لكن عندما ضرب موسى الصخرة للمرة الثانية، بعد أن خرج منها الماء، وضع ذلك احتمال أن يُضرَب يسوع (يُقتَل). أي إن فعل موسى بضربه للصخرة مرتين، و هو غاضب بسبب قلة إيمان الإسرائيليين، وضع الأساس ليقاوم الشيطان يسوع عند مجيئه، إن فقد اليهود إيمانهم، علما بأن يسوع هو تحقيق الصخرة. هذا هو السبب في أن فعل موسى كان خطيئة.

بالرغم من أن تكسير موسى للألواح يمكن إصلاحه، إلا أن غلطته بضرب الصخرة للمرة الثانية لا يمكن إصلاحها و إرجاعها كما كانت. لماذا ؟

في إطار عناية الله للرجعى و الإصلاح ترتبط الألواح و الصخرة كظاهر و باطن. إن الألواح المنقوش عليها الوصايا العشر، هي جوهر الشريعة الموسوية، و قلب العهد القديم. يمكن للإسرائيليين تلقي الخلاص المتاح في عصر العهد القديم بتمسكهم بالقيم التي تحتويها الألواح. بهذا الفهم، تكون الألواح هي التمثيل الظاهري ليسوع الذي سيأتي.

الصخرة من الناحية الأخرى لا تمثل يسوع فقط، و لكنها كمصدر للألواح و أصل لها، ترمز إلى الله الذي صدر منه المسيح و كان له أصلا. الألواح هي الظاهر و الصخرة هي الباطن. إذا شبهنا الألواح بالجسد، فإن الصخرة تمثل العقل، و إذا شبهنا الألواح بالمنطقة المقدسة، فإن الصخرة تمثل قدس الأقداس، إذا شبهنا الألواح بالأرض، فإن الصخرة تمثل السماء. باختصار، كممثل باطني للمسيح، يكون للصخرة قيمة أعظم من لوحي الحجر.

كممثل ظاهري ليسوع، فإن الألواح تمثل أيضا هارون. هارون هو الممثل الظاهري ليسوع عندما يقف أمام موسى، ممثل الله (خروج ٤‎:‎١٦ ؛ ٧‎:‎١). عندما أرغم الإسرائيليون هارون لكي يصنع لهم العجل إلها (خروج ٣٢‎:‎٤)، كان هارون نفسه قد فقد إيمانه، و أدى ذلك لتكسير الألواح. لكن رغما عن ذلك، استطاع هارون أن يستعيد إيمانه لأنه استغفر و تاب و هو يقف على قاعدة شرابه من الصخرة في رفيديم (خروج ١٧‎:‎٦). عندما فعل ذلك، صار من الممكن استعادة لوحي الحجر اللذين يرمزان لهارون على أساس القاعدة الباطنية لمياه الصخرة. لكن بما أن الصخرة، مصدر الألواح، لا ترمز إلى يسوع فقط، و إنما كذلك لله، أصل يسوع، فإن ضربها للمرة الثانية لا يمكن تغييره أو إصلاحه.

ما هي تبعات ضرب الصخرة مرتين ؟ ضرب موسى الصخرة مرة أخرى لأنه كان قد تملكه الغضب على الشعب غير المؤمن (مزامير ١٠٦‎:‎٣٢‎–‎٣٣). لقد تصرف تحت تأثير الشيطان، أو بدلا عن الشيطان. بالتالي، فإن تدبير ضربة البداية الذي كان سيقوم به الله على أساس الصخرة قد دنسه الشيطان.

بالرغم من أن ضرب موسى للصخرة مرة أخرى قد ثبت أنه تصرف شيطاني، إلا أنه في المعنى العميق الباطن، قد أعطى الماء للشعب من تلك الصخرة و أنقذ حياتهم. و هذا يؤكد النبوة التي أعطاها الله سابقا ( #١٢٧ عدد ١٤‎:‎٢٨‎–‎٣٤) من أن الإسرائيليين الظاهريين (في المظهر) الذين كانوا راشدين عند خروجهم من مصر، لن يدخلوا كنعان كما كان موعودا ما عدا يشوع و كالب، كذلك موسى سيموت بدون أن يحقق حلمه بدخول أرض الميعاد (تثنية ٣٤‎:‎٤‎–‎٥). من ناحية أخرى فإن الإسرائيليين الباطنيين (في المخبر) الذين كانوا أطفالا في زمن الخروج من مصر أو الذين ولدوا في التيه حين شرب الناس من الصخرة و قدسوا خيمة الاجتماع، سيدخلون أرض كنعان تحت قيادة يشوع (عدد ٣٢‎:‎١١‎–‎١٢)، الذي خلف موسى (عدد ٢٧‎:‎١٨‎–‎٢٠).

بما أن ضرب موسى للحجر مرتين سمح للشيطان بالدخول، فلن نتوقع أن يتدفق الماء من الصخرة. إذن كيف أمكن للماء أن يتدفق منها ؟ لقد أخرج موسى الماء من الصخرة في وقت سابق في رفيديم (خروج ١٧‎:‎٦) في المسار القومي الثاني لاستعادة كنعان، فوضع بذلك القاعدة لاستخراج الماء من الصخر. إن الألواح و خيمة الاجتماع و تابوت العهد التي أقيمت على تلك القاعدة قد بقيت إلى المسار القومي الثالث، بالرغم من عدم إيمان الإسرائيليين، و ذلك لإيمان موسى الذي لم يتزحزح و إخلاصه. لقد حافظ بقوة على قاعدة الإيمان لخيمة الاجتماع، التي وضعها أثناء صيامه لمدة أربعين يوما. بالرغم من أن إيمان موسى قد اهتز في لحظة غضب، إلا أن قلبه نحو الله لم يتغير. علاوة على ذلك فإن يشوع قد وضع قاعدة لخيمة الاجتماع بإيمانه المطلق خلال فترة التجسس لمدة أربعين يوم، و قد واصل تمسكه بالألواح و خيمة الاجتماع و تابوت العهد باستمرار. لذلك فإن القاعدة لاستخراج الماء من الصخرة، التي أسست عند رفيديم، بقيت سليمة بالارتكاز على يشوع.

باختصار، بالرغم من أن ضربة البداية الثانية القائمة على الصخرة قد دخلها الشيطان ظاهريا بسبب تصرف موسى الظاهري غير الإيماني، إلا أنها بقيت سليمة باطنيا. لقد أخرجت الصخرة الماء للشعب بسبب الإيمان الراسخ لموسى و يشوع و إخلاصهما الباطني.

عندما ضرب موسى الحجر للمرة الثانية، ضربها من موضع الشيطان. لذلك ادعى الشيطان ملكية الحجر. تبعا لذلك، و في زمن يسوع عندما فقد الشعب إيمانه، كان على يسوع، الذي هو تحقيق الصخرة، أن يدخل بنفسه إلى البرية و يستعيد الصخرة. هذا هو السبب وراء تجربته الأولى عندما تحداه الشيطان أن يحول الحجر إلى خبز.

بسبب عدم إيمان الإسرائيليين، غضب موسى و ضرب الصخرة مرتين الأمر الذي أعطى الشيطان حقا في جسده، مما قيده بالموت خارج أرض الميعاد. لكن كان بإمكانه أن يدخل لكنعان روحيا، لأنه أخرج الماء من الصخرة بفضل إيمانه الذي لا يقهر. و هذا دل على ما سيحدث عند مجيء يسوع كمظهر حقيقي للصخرة. إذا لم يؤمن به الشعب اليهودي، سيتعرض جسد يسوع أيضا لهجوم الشيطان، حتى إلى حد أن يُعلَّق على الصليب، و سيموت قبل أن يكمل استرجاع كنعان العالمية. رغما عن ذلك، سيتمكن من إنجاز الجانب الروحي للرجعى و الإصلاح بواسطة قيامته.

مباشرة بعد تلك الأحداث بدأ الإسرائيليون التذمر مرة أخرى طوال الطريق، فأرسل الله عليهم حيات نارية لدغت و قتلت الكثيرين منهم. و عندما تابوا أمر الله موسى أن يصنع ثعبانا من البرونز و يرفعه على عمود، كل من ينظر إليه سينقذ (عدد ٢١‎:‎٦‎–‎٩). الحيات النارية ترمز للشيطان، الحية القديمة (رؤيا ١٢‎:‎٩) التي تسببت في هبوط حواء، الثعبان البرونزي المرفوع على العمود يرمز ليسوع الذي سيأتي كحية إلهية.

هذا أنبأنا عما يمكن أن يحدث في زمن يسوع، كما قال «و كما رفع موسى الحية في البرية، هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان» (يوحنا ٣‎:‎١٤). بالرغم من أن الله قد سمح للإسرائيليين أن يقعوا فريسة للحية الشيطانية عندما فقدوا إيمانهم، إلا أنه أنقذ حياتهم بواسطة الثعبان البرونزي عندما تابوا و جددوا إيمانهم. كذلك في زمن يسوع، إذا فقد الشعب إيمانه، فسيتركهم الله عرضة لهجمات الشيطان، و سيرفع يسوع على الصليب كثعبان إلهي لكي ينقذ الإنسانية. عندها كل من تاب عن قلة إيمانه و آمن بفداء المسيح بواسطة الصليب سيتم إنقاذه. حقا إن أحداث الحيات النارية كانت سببا بعيدا لسير يسوع في طريق الصليب لكي يبدأ مسار الخلاص الروحي.

عندما فقد الإسرائيليون إيمانهم، و ضرب موسى الصخرة مرتين، أعلن الله أن موسى لن يسمح له بدخول أرض كنعان (عدد ٢٠‎:‎١٢). رغما عن أن موسى صلى إلى الله بقوة و ترجاه أن يسمح له بدخول أرض كنعان (تثنية ٣‎:‎٢٥)، لكنه منع من الدخول و مات خارج الحدود. بعد موته دفن جسده في وادي في منطقة مواب، و لكن لا أحد يعرف مكان قبره (تثنية ٣٤‎:‎٦). كذلك فقد دل هذا على ما يمكن أن يحدث ليسوع: إذا رفضه الشعب، سيصلب. حتى و إن صلى بقوة ليتجنب هذا المصير، لكي يحقق مملكة الله كما فعل بالفعل في حديقة الجثمانية، عندما صلى «فلتعبر عني هذا الكأس» سيموت بدون أن يحقق ذلك الهدف. علاوة على ذلك، بعد موته لا أحد يعرف مكان جسده.

٢‎-‎٢‎-‎٣‎-‎٢‎-‎٢ القاعدة الجوهرية المرتكزة على يوشع

عندما ضرب موسى الحجر مرتين عند قادش برنيع، لم يكتمل تدبير الله لبداية السير إلى كنعان الذي يقوم على الصخرة. رغما عن أن الشيطان قد دخل خارجيا، إلا أن القاعدة التي وضعها موسى باطنيا، عندما أخرج الماء من الصخرة عند رفيديم، قد بقيت سليمة، و تمكن من تفجير الماء من الصخرة عند قادش برنيع لكي يشرب الشعب. لقد وضع ذلك المنهج لما سيأتي بعده. الإسرائيليون بالمظهر الذين ولدوا في مصر و الذين فقدوا إيمانهم في البرية، قد هلكوا جميعا، ما عدا يوشع و كالب اللذان أظهرا إيمانا ثابتا خلال فترة الأربعين يوم التي تجسسوا فيها على الأرض (عدد ٣٢‎:‎١١‎–‎١٢). الإسرائيليون بالجوهر، الأجيال الأصغر الذين ولدوا و تربوا في البرية حينما كان يشرب الناس من الصخرة و يتمسكون بخيمة الاجتماع، دخلوا إلى أرض كنعان تحت قيادة يوشع.

لقد أمر الله موسى أن يعين يوشع بدلا عنه: خذ يوشع بن نون رجلا فيه روح و ضع يدك عليه و أوقفه قدام اليعازر الكاهن و قدام كل الجماعة و أوصه أمام أعينهم. و اجعل من هيبتك عليه لكي يسمع له كل جماعة بني إسرائيل (عدد ٢٧‎:‎١٨‎–‎٢٠)

عندما خاف الشعب بسماعه لتقارير الجواسيس، لم يثبت في الإيمان إلا يوشع و كالب. و ذلك على قاعدة الإيمان التي وضعها موسى بواسطة خيمة الاجتماع. بإيمان و ولاء مطلق أسسا القاعدة لخيمة الاجتماع و قدساها إلى النهاية. بالرغم من الهزة التي أصابت إيمان موسى لاحقا، إلا أن الألواح و التابوت و الخيمة بقيت كلها سالمة على أساس قاعدة الخيمة التي وضعها يوشع. لذلك أنفذ الله تدبيره لبداية المسار الجديد هذه المرة على أساس الماء من الصخرة، و ذلك برفع يشوع إلى مقام موسى و بأمره الإسرائيليين الباطنيين أن يطيعوه و يقفوا معه على قاعدة خيمة الاجتماع. على هذا الأساس سيدخلون إلى أرض كنعان، حيث ينجزون شرط التعويض و الكفارة القومي لإزالة الطبيعة الهابطة. بذلك، أراد الله أن يقيم القاعدة الجوهرية بالارتكاز على يشوع في المسار القومي الثالث (تثنية ٣‎:‎٢٨).

عندما أكمل موسى فترة الأربعين سنة في برية ميديان، ظهر الله أمامه و أمره أن يقود الإسرائيليين إلى أرض كنعان، أرضا تفيض لبنا و عسل (خروج ٣‎:‎٨‎–‎١٠). كذلك عندما أكمل يوشع بإيمان و إخلاص فترة الأربعين سنة من التيه في البرية، ناداه الله بنفسه لكي يخدم في مقام موسى قائلا: موسى عبدي قد مات. الآن قم اعبر هذا الأردن أنت و كل هذا الشعب إلى الأرض التي أنا معطيها لهم، أي لبني إسرائيل … كما كنت مع موسى أكون معك. لا أهملك، و لا أتركك، تشدد و تشجع، لأنك أنت تقسم لهذا الشعب الأرض التي حلفت لآبائهم أن أعطيهم (يوشع ١‎:‎٢، ٥‎–‎٦)

بتلقيه تلك التعليمات من الله، جمع يوشع قادة الشعب و نقل إليهم تعليمات الرب (يشوع ١‎:‎١٠)، فأجابوا: كل ما أمرتنا به نعمله، و حيثما ترسلنا نذهب. كل إنسان يعصي قولك و لا يسمع كلامك في كل ما تأمره به يقتل. إنما كن متشددا و تشجع (يوشع ١‎:‎١٦‎–‎١٨) لقد أقسموا بحياتهم أن يتبعوا يوشع في خلافته لموسى لاسترجاع كنعان. لقد جسّد يوشع المسيح عند مجيئه الثاني، عندما يأتي ليكمل مهمة يسوع التي تركها بدون إكمال. تماما مثلما أن مسار يشوع هو إصلاح و استعادة لمسار موسى بواسطة التعويض، فإن مسار المسيح في المجيء الثاني سيصلح بواسطة التعويض، روحيا و جسديا، مسار يسوع الروحي للرجعى و الإصلاح.

في المسار القومي الثاني، أرسل موسى اثني عشر جاسوسا إلى كنعان (عدد ١٣‎:‎١‎–‎٢). على قاعدة الإيمان العميق التي وضعها الجاسوسان اللذان أكملا مهمتهما بإيمان، أرسل يوشع رجلين للتجسس على مدينة أريحا المحصنة (يشوع ٢‎:‎١). عندما عادا من أريحا، قدم الجاسوسان تقريرا ينم عن إيمان: «إن الرب قد دفع بيدنا الأرض كلها، و قد ذاب كل سكان الأرض بسببنا» (يشوع ٢‎:‎٢٤). الجيل الجديد من الإسرائيليين، الذين تربوا في البرية، آمنوا جميعا بكلام الجاسوسين، و كَّفر هذا الإيمان عن خطيئة آبائهم، الذين لم يكملوا بنجاح الفترة الأربعينية للتجسس على الأرض.

بعد أن أقسم الإسرائيليون الجدد بحياتهم على إطاعة يشوع، الذي وقف على قاعدة خيمة الاجتماع، استطاعوا أن يقفوا معه على تلك القاعدة. و بإصلاحهم لتدبير البداية القائم على الماء من الصخرة، وقفوا في نفس المقام الذي وقف فيه آباؤهم تحت قيادة موسى عندما شاركوا في تدبير البداية للخروج من مصر، عندما أيدهم الله بالآيات الثلاث و المصائب العشر. و كما مر الإسرائيليون تحت قيادة موسى بفترة ثلاثة أيام قبل عبور البحر الأحمر، كذلك مر الإسرائيليون الجدد تحت قيادة يشوع بفترة ثلاثة أيام قبل عبور نهر الأردن (يشوع ٣‎:‎٢).

في المسار القومي الثاني، بعد اكتمال فترة الأيام الثلاثة، كان عمود النار و عمود الدخان هما الدليل للإسرائيليين إلى البحر الأحمر. كذلك بعد اكتمال فترة الأيام الثلاثة تحت قيادة يشوع، كان تابوت العهد هو دليلهم إلى نهر الأردن (يشوع ٣‎:‎٣ ، ٦). الألواح التي داخل التابوت و عمودا الدخان و النار، كل ذلك كان يرمز ليسوع و عروسه المفترضة.

لقد استعمل موسى عصاه ليرى الشعب الطريق، و ليقسم البحر قسمين. كذلك فإن يشوع وضع تابوت العهد أمام القوات ليروا الطريق و يقودهم. عندما وصل الكهنة و هم يحملون التابوت إلى نهر الأردن انقسمت مياهه مفسحة الطريق للشعب الذي يسير وراء التابوت ليمشي على أرض النهر (يشوع ٣‎:‎١٦‎–‎١٧). كانت عصا موسى ترمز ليسوع، و كذلك كان تابوت العهد و بداخله الألواح و المن و عصا هارون ترمز جميعها إلى يسوع و عروسه المفترضة. لذلك، فإن انقسام مياه نهر الأردن أمام التابوت، الأمر الذي سمح للإسرائيليين بدخول أرض كنعان بسلام، كان عبارة عن نبوءة عما سيحدث في زمن يسوع و عروسه: الإنسانية الخاطئة، التي رمز لها بالماء (رؤيا ١٧‎:‎١٥)، ستنقسم إلى الصالحين و الأشرار لتواجه الدينونة. كل المؤمنين سوف يكملون إصلاح و استرجاع كنعان على مستوى العالم.

عند وصولهم إلى نهر الأردن، أمر الله يشوع قائلا: انتخبوا من الشعب اثني عشر رجلا، رجلا واحدا من كل سبط و أمروهم قائلين: احملوا من هنا من وسط الأردن من مواقف أرجل الكهنة راسخة اثني عشر حجرا و عبروها معكم و ضعوها في المبيت الذي تبيتون فيه الليلة (يشوع ٤‎:‎٢‎–‎٣) و كذلك فعل الشعب: و صعد الشعب من الأردن في اليوم العاشر من الشهر الأول و حلوا في الجلجال في تخم أريحا الشرقي. و الاثنا عشر حجرا التي أخذوها من الأردن نصبها يشوع في الجلجال (يشوع ٤‎:‎١٩‎–‎٢٠)

ما هي الدلالة التي يحملها ذلك ؟ كما ناقشنا سابقا، فإن الحجر يرمز ليسوع. بالتالي، عندما حمل كل رئيس من الاثني عشر الذين يمثلون الاثني عشر قبيلة حجرا من وسط نهر الأردن بعد أن انقسمت مياهه بالتابوت، دل ذلك على ما سيفعله الحواريون الاثنا عشر، الذين يمثلون قبائل إسرائيل الاثني عشر، عند مجيء يسوع: التمسك به في نفس المكان الذي أدانت فيه كلماته العالم الخاطئ و قسمته إلى خير و شرير.

بعد أن حملوا الاثني عشر حجرا و وضعوها في المعسكر عند الجلجال في أرض كنعان، قال يشوع «لكي تعلم جميع شعوب الأرض أن يد الرب قوية، لكي تخافوا إلهكم كل الأيام» (يشوع ٤‎:‎٢٤). دل ذلك على أن حواريي يسوع الاثني عشر عليهم أن يتحدوا بقلوبهم، عندئذ يستطيعون استرجاع كنعان العالمية، لكي تقدس كل شعوب الأرض قوة الله للأبد.

مثلما بنى يعقوب مذبحا من الحجر حيثما ذهب، فإن ممثلي القبائل الاثني عشر، أحفاد أبناء يعقوب الاثني عشر، جمعوا اثني عشر حجرا و بنوا مذبحا تمجيدا لله. في الختام كان عليهم أن يبنوا الهيكل. دل ذلك على أن حواري يسوع الاثني عشر كان عليهم أن يتحدوا و يمجدوا يسوع كتجسيد للهيكل. لهذا السبب، و عندما لم يتحد حواريوه قال يسوع «انقضوا هذا الهيكل و في ثلاثة أيام أقيمه» (يوحنا ٢‎:‎١٩). في الحقيقة لقد فشل الحواريون الاثنا عشر في أن يتحدوا مع بعضهم البعض، بل إن واحدا منهم، يهوذا الأسخريوطي، قد باع يسوع لأعدائه. لم يتمكن يسوع من توحيد حوارييه إلا بعد ثلاثة أيام من الصليب و العذاب. عند ذلك مجد الحواريون يسوع القائم من الأموات باعتباره الهيكل الروحي.عند مجيئه الثاني فقط، سيتمكن حواريوه من خدمته كتجسيد حي للهيكل.

عندما غادر الإسرائيليون مصر و اتجهوا إلى أرض كنعان، أقاموا وليمة عيد الفصح في اليوم الرابع عشر من الشهر الأول (خروج ١٢‎:‎١٧‎–‎١٨)، كذلك فإن الإسرائيليين تحت قيادة يشوع الذي عسكر عند الجلجال، أقاموا وليمة عيد الفصح في اليوم الرابع عشر من الشهر الأول من تلك السنة، بعدها ساروا نحو مدينة أريحا. عندما بدأوا يعيشون على ما تنتجه الأرض توقف الله عن إعطائهم المن الذي كان يمدهم بها لأربعين سنة. منذ ذلك الحين كان عليهم أن يعيشوا بكدهم و عرقهم. علاوة على ذلك، إلى أن يدمروا آخر مدينة شيطانية، عليهم أن يجاهدوا حتى النهاية لإكمال مسئوليتهم. عندما اقتربوا من أريحا، تبعا لأمر الله، وضع الإسرائيليون أربعين ألف جندي في المقدمة، بينما نفخ الكهنة السبعة على الأبواق و هم يسيرون خلف الجنود و يتبعهم من الخلف تابوت العهد يحمله الكهنة اللاويون و من ورائهم باقي الجيش الإسرائيلي.

طاف الجيش الإسرائيلي على هذه الشاكلة مرة واحدة كل يوم لمدة ستة أيام، و لكن لم يحدث ذلك تغييرا في المدينة. بالصبر و الطاعة كان الشعب يصلح و يسترجع بواسطة الكفارة و التعويض الأيام الستة التي خلق الله فيها الكون و التي دخلها الشيطان. بعد أن تحملوا بإيمان تلك الأيام الستة، في اليوم السابع طاف الكهنة السبعة حول المدينة سبع مرات، و هم ينفخون على الأبواق، ثم أمر يشوع الشعب قائلا «اهتفوا لأن الرب قد أعطاكم المدينة» (يشوع ٦‎:‎١٦). فهتف الشعب هتافا عظيما انهارت له أسوار المدينة و سقطت (يشوع ٦).

كان احتلال أريحا قد أنبأ بأنه و بقوة المسيح و عمل أتباعه ستنهار الحواجز الشيطانية بين السماء و الأرض. بسقوط ذلك الجدار سوف لن يشيد مرة أخرى أبدا. لذلك أعلن يشوع: ملعون أمام الرب كل من يحاول أن يعيد بناء مدينة أريحا، فإن بكره يموت و هو يضع أساساتها، و صغيره يهلك و هو يقيم بوّاباتها (يشوع ٦‎:‎٢٦)

بعد ذلك شن يشوع هجوما على الأعداء بقوة لا تقهر. لقد هزم واحد و ثلاثين ملكا في المجموع (يشوع ١٢‎:‎٩‎–‎٢٤). و قد أنبأ ذلك بأن المسيح سيأتي كملك الملوك ليبني المملكة السماوية الموحدة على الأرض بإخضاعه لجميع ملوك الأمم و كسبه لمحبة شعوبهم.

٢‎-‎٢‎-‎٣‎-‎٣ القاعدة لمجيء المسيح

درسنا سابقا بأن الإسرائيليين قد فشلوا في المسار القومي الثاني لاسترجاع كنعان، عندما فشلوا في التجسس أربعين يوما كشرط للانفصال عن الشيطان. لكي يكفروا عن هذا الخطأ، تاهوا أربعين سنة في المسار القومي الثالث.

خلال هذه الفترة وضع موسى قاعدة الإيمان للمسار القومي الثالث و وقف الإسرائيليون على قاعدة خيمة الاجتماع. و لكن الشيطان دنس القاعدتين بسبب عدم إيمان الشعب و غلطة موسى بضربِهِ للحجر مرتين. بالتالي، فإن الجيل الأول من الإسرائيليين، ما عدا كالب و يشوع، قد هلكوا جميعا في التيه. لقد أنجز يشوع و كالب فترة التجسس الأربعينية و هما يقفان على قاعدة الإيمان للمسار الثاني و قاعدة الإيمان لخيمة الاجتماع التي وضعها موسى، و بذلك أسسا القاعدة لخيمة الاجتماع. الجيل الثاني من الإسرائيليين عبروا نهر الأردن و هم يحملون تابوت العهد بإيمان كامل تحت قيادة يشوع، الذي خلف موسى. بعد تدميرهم لمدينة أريحا المحصنة، دخلوا أرض كنعان، أرض الميعاد.

على أساس هذا الانتصار، وضعوا القاعدة الجوهرية في المسار القومي الثالث و أسسوا القاعدة لمجيء المسيح في هذا المسار، و لو أنهم لا زالوا شعب بلا سيادة. القاعدة الأسرية لمجيء المسيح قد وضعت في أيام إبراهيم، و قد مر أحفاده بتجربة العبودية في مصر لمدة أربعمائة سنة كشرط للتكفير و التعويض قبل دخولهم ارض كنعان و إكمالهم القاعدة القومية لمجيء المسيح.

و هذا يحتاج إلى أكثر من مجرد دخول كنعان و السيطرة عليها. كما شرح سابقا بالتفصيل (القاعدة ٣‎:‎٣)، فقد أسس الإنسان الهابط أمما قوية كمصر، يقودها زعماء شيطانيون مناهضون للعناية الإلهية للإصلاح. لذلك، وبالرغم من أن القاعدة القومية لمجيء المسيح قد وضعت تحت قيادة يشوع، كان لا بد من إنشاء مملكة ذات سيادة يستطيع المسيح من خلالها أن يواجه أمم العالم الشيطانية. على كل، بمجرد دخول الجيل الثاني من الإسرائيليين إلى أرض كنعان، فقدوا إيمانهم مرة ثانية. بذلك تعطلت العناية الإلهية و امتدت مرة أخرى، و عانت من معضلات كثيرة حتى زمن يسوع.

٢‎-‎٣ بعض الدروس من مسار موسى

طوال التاريخ، قرأ المؤمنون قصص موسى في الكتاب المقدس و ظنوا أنها مجرد سجل لحياة موسى و تاريخ إسرائيل. لم يفهم واحد منهم أن الله أراد أن يكشف بهذه الروايات أسرارا معينة في عنايته للرجعى و الإصلاح. يسوع فقط هو الذي المح إلى ذلك بقوله «لا يقدر الابن أن يفعل شيئا من تلقاء نفسه بل يفعل ما يرى الأب يفعله، فكلما يعمله الأب يعمله الابن كذلك» (يوحنا ٥‎:‎١٩). لقد مضى يسوع دون أن يكشف عن المعنى الحقيقي لمسار موسى (يوحنا ١٦‎:‎١٢).

في تلك الصفحات كشفنا عن كيف سار موسى في المسار النموذجي للعناية الإلهية للرجعى و الإصلاح. بالمقارنة بين هذا الباب و الباب التالي، سيفهم القارئ بوضوح أكثر كيف، من خلال مسار موسى، أنبأ الله عن مسار يسوع الذي سيسير فيه. حتى بدراستنا للعناية الإلهية التي مركزها موسى، لا يمكننا إلا أن نخلص إلى أن الله موجود و ظل يقود تاريخ الإنسان في اتجاه تحقيق هدف واحد مطلق.

كذلك أوضح مسار موسى أن الحصيلة الفعلية لحياة الإنسان تعتمد على ما إذا حقق الإنسان مسئوليته أم لا، بغض النظر عن تقدير الله له. إن تقدير الله لإرادته لا يمكن أن يتحقق إذا لم يقم الشخص المكلف بها بتحمل نصيبه من المسئولية، خصوصا، و قد أخبر بأنه سيجعل موسى يقود الإسرائيليين إلى كنعان، أرض تفيض باللبن و العسل، و أمره أن ينفذ ذلك. لكن، رغما عن ذلك، عندما لم يتحمل موسى و شعبه كامل المسئولية، لم يدخل إلى أرض كنعان إلا يشوع و كالب من الجيل الأول. لقد مات الباقون جميعا في البرية.

علاوة على ذلك، لا يتدخل الله في مسئولية الإنسان، و لكنه يتصرف على حسب النتيجة الفعلية لعمل الفرد. بالرغم من أن الله قد قاد الشعب بآيات مذهلة و معجزات، لكنه لم يتدخل في تصرفاتهم عندما عبدوا العجل الذهبي، عندما كان موسى بعيدا عند الجبل. كذلك لم يتدخل الله ليمنع موسى عندما ضرب الحجر مرتين. عندما فعلوا ذلك كانوا يقومون بنصيبهم من المسئولية و التي يجب أن ينجزوها هم بأنفسهم فقط. على كل، بمجرد أن يتصرفوا، سواء بتحمل مسئوليتهم أو بفشلهم فيها، يتصرف الله اعتمادا على نتيجة تصرفهم.

أوضح مسار موسى التقدير المطلق لإرادة الله. يقرر الله أن تتحقق إرادته بصورة مطلقة، ثم يحاول باستمرار أن ينجزها حتى تتحقق. لذلك عندما لم يستطع موسى إكمال مسئوليته، أقام الله يشوع خليفة لموسى و عمل من خلاله بإصرار لتحقيق إرادته. بصورة عامة عندما يفشل شخص في موضع هابيل اختاره الله و لم يكمل مهمته، فإن شخصا في موضع قابيل أظهر الإخلاص الكامل يحل محل الشخص الهابيلي و يرث رسالته. لقد وصف يسوع وضعا مشابها لذلك عندما قال «و من أيام يوحنا المعمدان إلى الآن ملكوت السموات يغصب و الغاصبون يختطفونه» (متى ١١‎:‎١٢ ( الطبعة العالمية الجديدة ), المسيح ٢‎-‎٣).

يرينا مسار موسى أنه كلما كانت مهمة الإنسان كبيرة، كلما كان الامتحان الذي يتعرض له كبيرا. بما أن السلفين الأولين قد هبطا عندما فقدا إيمانهما بالله و تركاه، فإن الأشخاص المركزيين الذين يصلحون و يسترجعون قاعدة الإيمان يجب عليهم أن يتغلبوا على تجارب يتركهم فيها الله و يتخلى عنهم. كان على موسى أن يتغلب على تجربة حاول فيها الله أن يقتله (خروج ٤‎:‎٢٤)، قبل أن يبرز كقائد للإسرائيليين.

أصبح هبوط الإنسان عذرا و سببا قيد به الشيطان الإنسان في علاقة معه. لذلك، فإن الله لا يعطي نعمته للناس بدون شرط حتمي، لأنه لو أعطى بدون شرط فإن الشيطان سيحتج. لذلك عندما يريد الله أن يعطي نعمة، فإنه يضع ذلك الإنسان في اختبار، قبل أو بعد إعطاء النعمة، لكي يمنع عنه مؤاخذة الشيطان و احتجاجه.

مسار موسى يعطي أمثلة عديدة لذلك. أعطى الله موسى نعمته بأن يبدأ المسار الأول للخروج من مصر فقط عندما أكمل اختبارا مدته أربعون سنة في قصر الفرعون. منحه الله نعمة أن يبدأ المسار الثاني للخروج من مصر بعدما أكمل اختبارا مدته أربعون سنة في برية ميديان (خروج ٤‎:‎٢‎-‎٩). جرب الله موسى أولا بمحاولة قتله (خروج ٤‎:‎٢٥) و بعد ذلك فقط أعطاه الآيات الثلاث و المصائب العشر (خروج ٧‎:‎١٠). جرب الله الإسرائيليين أولا لمدة ثلاثة أيام (خروج ١٠‎:‎٢٢) و بعد ذلك فقط منحهم عمود النار و عمود الدخان (خروج ١٣‎:‎٢١). جربهم الله أولا في عبور البحر الأحمر (خروج ١٤‎:‎٢١‎-‎٢٢) و بعد ذلك فقط أعطاهم المن و السلوى (خروج ١٦‎:‎١٣). بعد أن اختبرهم الله في حربهم مع العماليق (خروج ١٧‎:‎١٠) أعطاهم نعمة الألواح و تابوت العهد و خيمة الاجتماع (خروج ٣١‎:‎١٨). و لقد أعطيت لهم نعمة الماء من الحجر (عدد ٢٠‎:‎٩) بعد أن تاهوا أربعين سنة في البرية. عندما أرسل الله عليهم الحيات النارية كان استغفار الشعب هو الشرط الذي أعطاهم به الله الحية البرونزية (عدد ٢١‎:‎٦‎-‎٩).

تلك هي الدروس التي تعلمناها من مسار موسى.