الباب الثاني. الطاقة الكونية الأولية العطاء والأخذ وقاعدة المراكز الأربعة
٢-١ الطاقة الكونية الأولية
الله خالق كل الأشياء، هو الحقيقة المطلقة، ابدي، موجود بذاته، متجاوزاً الزمان والمكان. الطاقة الاساسية لوجود الله ابدية، موجودة بذاتها ومطلقة. إنها اصل كل انواع الطاقة والقوى التي تمكن المخلوقات كي توجد. تسمى هذه الطاقة الأساسية الطاقة الكونية الأولية.
٢-٢ العطاء والأخذ
بواسطة الطاقة الكونية الأولية تكوّن العناصر الفعالة والعناصر المنفعلة (المستجيبة) في كل كائن قاعدة مشتركة للتفاعل. هذا التفاعل بدوره يولد كل القوى التي يحتاج إليها الكائن لوجوده وتكاثره ونشاطه. التفاعل الذي يولد هذه القوى بهذه الطريقة يسمى فعل العطاء والأخذ. الطاقة الكونية الأولى والقوى المتولدة بواسطة العطاء والأخذ موجودة في علاقة تبادلية من حيث السبب والنتيجة، الباطن والظاهر، الرفيق الفعال والرفيق المنفعل. الطاقة الكونية الاولى هي قوة رأسية، بينما القوى المتولدة بالعطاء والاخذ قوى افقية.
دعونا نبجث بالتفصيل عن الله ومخلوقاته بلغة الطاقة الكونية الأولية والعطاء و الأخذ.
ان طاقة الله الكونية الاولية توجه المميزات الثنائية الأزلية لله لتكون قاعدة مشتركة لعلاقتهم المتبادلة. بعد ذلك يرتبطون بالعطاء والأخذ. تنشىء المميزات الثنائية اساساً للتبادل فيما بينها على قاعدة القوة المتولدة بالعطاء والاخذ. هذه هي قاعدة وجود الله. والتي عن طريقها يكون وجوده ازلياً، وبواسطتها تتولد كل القوى المطلوبة لخلق الكون وبقائه.
في الكون المخلوق، تكون المميزات الثنائية التي يتكون منها كل مخلوق مدعومة بالطاقة الكونية الأولية لكي تكون قاعدة مشتركة وتنخرط في العطاء والاخذ. تنشىء المميزات الثنائية اساساً للتبادل المستمر على قاعدة القوى المتولدة من العطاء والاخذ. فيُكوّن ذلك القاعدة لوجود كل كائن بمفرده، وبه يصير الكائن رفيقاً منفعلاً لله، ويمكنه ان يولد كل القوى المطلوبة لوجوده المستمر.
مثلاً، تظهر الذرات للوجود عندما تتجمع الإلكترونات حول النواة وتنخرط في تفاعل كهرومغناطيسي، وهو نوع من العطاء والأخذ. عندما تمارس الأيونات الموجبة والأيونات السالبة العطاء والاخذ تكوّن الجزيئات وتُحدث تفاعلات كيماوية.
العطاء والأخذ بين الشحنات الموجبة والسالبة اساس كل الظواهر الكهربائية.
ان دوران الغذاء بين الخشب واللحاء هو واحد من عمليات العطاء والاخذ في النبات التي تحفظ وظائف الحياة وتعزز نموه. العطاء والاخذ بين السداة والمدقة هو الوسيلة السائدة للتكاثر في حياة النبات.
تتكاثر الحيوانات وتحافظ على نوعها من خلال العطاء والأخذ بين الذكر والانثى. الحيوانات والنباتات يتعايشون من خلال العطاء والأخذ، مثل تبادل الاكسجين وثاني اكسيد الكربون، والتعاون بين النحل والزهور.
بالنسبة للأجرام السماوية، يقوم النظام الشمسي على العطاء والأخذ بين الشمس والكواكب، وحركاتها المختلفة تعطي النظام للكون. الارض والقمر تحافظان على دورانهما في محور ثابت من خلال العطاء والأخذ.
يحافظ جسم الإنسان على حياته من خلال العطاء والأخذ بين الشرايين والأوردة، الشهيق والزفير،الجهاز العصبي السمبتاوي ونظير السمبتاوي، وغيره. العطاء والأخذ بين العقل والجسد يُمكّن الفرد من ممارسة نشاطه الذي يعزز الهدف من الحياة.
العطاء والأخذ بين الزوج والزوجة في الأسرة، وبين الناس في المجتمع، وبين الحكومة والمواطنين في الأمة، وبين امم العالم، ذو أهمية لهم ليعيشوا مع بعضهم البعض في تجانس وسلام.
مهما كان الإنسان شريراً، فإن قوة الضمير، التي تدفعه للحياة الفاضلة، تكون دائماً نشطة في اعماق ذاته. وهذا ينطبق على كل الناس، وفي كل الأعمار، وفي كل مكان. لا يستطيع اي شخص ان يطفيء شعلة الضمير، والتي تعمل بقوة حتى بدون ادراكنا وعلمنا. في اللحظة التي يرتكب فيها الإنسان عملاً شريراً، يشعر مباشرة بوخذ الضمير. اذا غابت وظيفة الضمير عن النفس البشرية سيكون عمل العناية الإلهية لإصلاح الإنسان الهابط مستحيلاً.
كيف تولدت قوة الضمير هذه؟ بما ان كل القوى تتولد من العطاء والأخذ، فإن الضمير لا يستطيع ان يولد قوته التي يعمل بها بذاته فقط. أي يستطيع الضمير ان يعمل فقط عندما يشترك مع رفيق فعال ويدخل معه في عطاء واخذ. إن الرفيق المطلق الفعال لضميرنا هو الله.
ان هبوط الإنسان، في جوهره، قد قطع علاقتنا بالله. بدلاً عن تحقيق التوحد مع الله، فقد اشترك سلفا الإنسان في علاقة تبادلية مع الشيطان، وبذلك صارا متحدين معه. يسوع هو الابن الوحيد لله، لقد حقق توحده مع الله من خلال العطاء والأخذ الكاملين معه. عندما نتوحد مع يسوع في علاقة متبادلة كاملة، يمكننا ان نستعيد الطبيعة الاولى السليمة التي منحنا إياها الله. يمكننا ان ننمي علاقة عطاء واخذ مع الله ونكون متحدين معه. هذا يوضح لنا كيف عمل يسوع كوسيط للإنسان الهابط، انه هو الطريق والحقيقة والحياة. لقد جاء يسوع بالحب وضحى لكي يعطي كل ما عنده للإنسان، حتى ببذل روحه. اذا توجهنا إليه بإيمان، (لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية) (يوحنا ٣:١٦).
المسيحية هي دين محبة. لقد جاهدت من خلال الحب والتضحية لتفتح طريقاً لإصلاح العلاقة الأفقية عطاءاً واخذاً بين الناس في حب المسيح. على هذه القاعدة الأفقية للحب، تم فتح الطريق لإصلاح علاقتنا الرأسية مع الله عطاءاً واخذاً. في الحقيقة هذا هو الهدف الأساسي لتعاليم وأفعال يسوع. مثلاً قال يسوع: لا تدينوا لكي لا تدانوا، لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون، وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم (متى ٧:١-٢) إذاً كل ما تريدون أن يعاملكم الناس به، فعاملوهم أنتم به أيضا، هذه خلاصة تعليم الشريعة و الأنبياء (متى ٧:١٢) فكل من يعترف بي أمام الناس، اعترف انا ايضاً به أمام ابي الذي في السموات (متى ١٠:٣٢) من يقبل نبياً لكونه نبي فأجر نبي يأخذ. ومن يقبل باراً لكونه بار فأجر بار يأخذ (متى ١٠:٤١) و كل من يسقي واحد من هؤلاء الصغار و لو كأس ماء بارد فقط لأنه تلميذ لي، فالحق اقول لكم إنه لا يضيع اجره (متى ١٠:٤٢).
٢-٣ قاعدة المراكز الأربعة التي تحقق هدف التعامل مع ثلاثة منفعلين بواسطة الأصل- الانقسام – الاتحاد
٢-٣-١ الأصل- الانقسام- الاتحاد
عندما اراد الله ان يبدأ عملية الخلق، كونت المميزات الثنائية عند الله قاعدة مشتركة بواسطة تفعيل طاقته الكونية الأولية. عندما تدخل تلك المميزات في عطاء واخذ تتولد القوة لإحداث الزيادة والإكثار. هذه القوة تنشأ منها مميزات ثنائية تتحول الى كائنات متجسدة ومنفعلة في مقام الرفيق المنفعل لله تتخذ مقام الرفيق الفعال او الرفيق المنفعل بالنسبة لبعضها البعض، ذلك لأن الطاقة الكونية الاولية تحثها لتكوين قاعدة مشتركة لتدخل في عملية العطاء والاخذ، ثم بعد ذلك تلتقي في وحدة متجانسة لتكوين كائن جديد يكون رفيق منفعل لله. كل هذه العملية التي تبدأ بالله الأصل، ثم ظهور كائنين منفصلين، ثم اتحادهما مرة ثانية في كائن واحد تسمى عملية الاصل- الانقسام- الاتحاد.
٢-٣-٢ هدف كل كائن التعامل مع ثلاثة منفعلين
نتيجة لعملية الاصل- الانقسام- الاتحاد تتكون اربعة مواقع: الاصل وهو في المركز، الرفيق الفعال والرفيق المنفعل (كلاهما تجسيد متميز للأصل في مقام الرفيق المنفعل على نمط مميزاته الثنائية) واتحادهما. اي واحد من المواقع الاربعة يمكنه ان يأخذ مقام الرفيق الفعال فيرتبط به الثلاثة الآخرون، في مقام الرفيق المنفعل، ليكونوا شراكة تضمهم الثلاثة. عندما يأخذ كل من الاربعة مقام الرفيق الفعال، ثم يدخل في عطاء وأخذ مع الثلاثة الآخرين ليدوروا من حوله، بذلك يحققون هدفهم في التعامل مع ثلاثة منفعلين.
٢-٣-٣ قاعدة المراكز الأربعة
عندما يحقق كل من الاصل، الرفيق الفعال والرفيق المنفعل (اللذان برزا من الاصل) واتحادهما، عندما يحققون غايتهم في التعامل مع ثلاثة منفعلين، بواسطة عملية الاصل- الانقسام- الاتحاد، تتأسس قاعدة المراكز الاربعة.
قاعدة المراكز الاربعة هي الاصل في اهمية الرقم٤، وكذلك الرقم٣، لانه يتحقق عن طريقها وجود ثلاثة عناصر منفعلة. قاعدة المراكز الأربعة يحققها الله والزوج والزوجة والأطفال، بإكمالهم المراحل الثلاث: الاصل- الانقسام- الاتحاد. عليه فإن قاعدة المراكز الأربعة هي اصل نظام المراحل الثلاث. علاوة على ذلك، فإن كل موقع من قاعدة المراكز الاربعة يتعامل مع ثلاثة مواقع اخرى [تحقيق هدف التعامل مع ثلاثة منفعلين]. في جملتها يكون هنالك اثنا عشر موقع رفيق منفعل، لذلك فهي اصل الرقم اثني عشر. قاعدة المراكز الأربعة هي القاعدة الاساسية للخير. إنها تحقق هدف الله من الخلق. انها القاعدة الاساسية لحياة كل المخلوقات، تمنحها كل القوى التي تحتاجها لبقائها، وتمكن الله من الإقامة فيها. لذلك فإن قاعدة المراكز الأربعة هي هدف الله الأزلي من الخلق.
٢-٣-٤ مظهر وجود قاعدة المراكز الأربعة
كل المخلوقات التي اكملت قاعدة المراكز الأربعة بتحقيق هدف التعامل مع ثلاثة مرافقين منفعلين من خلال عملية الاصل- الانقسام- الاتحاد تتحرك في مسار دائري او بيضاوي او كروي. نتيجة لذلك تكون موجودة في ثلاثة ابعاد. دعونا نبحث السبب في ذلك.
من خلال عملية الاصل- الانقسام- الاتحاد تتجلى مميزات الله الثنائية لتكون كائنين منفصلين في مقام الرفيق المنفعل يستجيب للرفيق الفعال ليكونا قاعدة مشتركة ويبداءا في العطاء والأخذ حول الرفيق الفعال. بينما وهما في ارتباط متوازن بين قوة العطاء (طرد مركزي) وقوة الاستقبال (جذب مركزي) يدور الرفيق المنفعل حول الرفيق الفعال في حركة دائرية، وبذلك يكونان متجانسان ومتحدان. بنفس الطريقة يصبح الرفيق الفعال رفيقاً منفعلاً لله، يدور حول الله، بذلك يحقق وحدته معه. عندما يصير الرفيق المنفعل واحداً تماماً مع رفيقه الفعال، يستطيع اتحادهما ان يقف امام الله كرفيق منفعل جديد يشبه مميزاته الثنائية. علاوة على ذلك، فإن السبيل لأي رفيق منفعل ليكون رفيقاً منفعلاً امام الله هو عن طريق اتحاده مع رفيقه الفعال.
الاتحاد المُكوّن من الرفيق الفعال والرفيق المنفعل، يكون فيه الرفيق الفعال والرفيق المنفعل في داخلهما يتكونان من المميزات الثنائية والتي، بنفس طريقة العطاء والأخذ، تواصل حركتها الذاتية الدائرية. عليه، نرى حركات دائرية من العطاء والاخذ داخل كل رفيق فعال ورفيق منفعل، اللذان هما في نفس الوقت جزء من حركة دائرية اكبر في اتحادهما. على الرغم من ان هنالك لحظات تكون الحركة الدائرية للرفيق الفعال والرفيق المنفعل تسير في مدارات على مستوى واحد، إلا انه لسبب التغير المستمر لزاوية الدوران حول الرفيق الفعال تصير فيه الحركة الدائرية حركة كروية. باختصار كل المخلوقات التي اكملت قاعدة المراكز الأربعة تكون في حالة حركة دائرية وكروية، وبذلك يكون وجودها دائماً ثلاثي الأبعاد.
لنأخذ النظام الشمسي كمثل. الكواكب التي تقف كرفيق منفعل للشمس، كل منها يكون قاعدة مشتركة ويدخل في علاقة عطاء واخذ مع الشمس من خلال قوى الطرد المركزي والجذب المركزي. بحركتها حول الشمس في مدارات بيضاوية، تحقق الشمس والكواكب التجانس والوحدة تكون النظام الشمسي. وفي نفس الوقت، نجد ان الارض كجسم مكون من مميزات ثنائية تدور حول محورها ذاتياً. وهذا ينطبق كذلك على الشمس، وكل الكواكب الاخرى، كلهم في حالة دوران مستمر حول محورهم لأنهم كذلك يتكونون من مميزات ثنائية. المدارات التي يكونها العطاء والأخذ في النظام الشمسي لا تكون في مستوى واحد، او على سطح واحد، وانما بسبب اختلاف زوايا مداراتها ودورانها يظهر النظام الشمسي حركة كروية ذات ثلاث ابعاد.
كذلك كل الأجرام السماوية موجودة في ابعاد ثلاثية بفضل حركتها الدائرية والكروية . عندما تقوم الأجرام السماوية التي لا تحصى بعملية العطاء والاخذ مع بعضها البعض، فإنها تكون جسماً واحداً، وبذلك تعطي الكون شكله، يوجد الكون في ابعاد ثلاث. ولانه يحكمه نفس النظام، فإن عناصره تدور في حركة كروية.
عندما يُكوّن الإلكترون قاعدة مشتركة مع البروتون ويدخل في عطاء واخذ، يدور حول البروتون في حركة دائرية. بذلك يتحدان ويكونان ذرة (هيدروجين). الإلكترون والبروتون في ذاتهما يتكونان من مميزات ثنائية تجعلهما في حركة دائرية سريعة ومستمرة، وكذلك تكون الحركة الدائرية الناتجة من العطاء والاخذ بين البروتون والإلكترون غير محددة بمدار واحد في مستوى واحد، ولكن بتحويلها المستمر لزاوية دورانها تخلق حركة كروية. من خلال الحركة الكروية توجد الذرة في بعد ثلاثي. بنفس الطريقة نجد ان القوة المغناطيسية بين القطب السالب والقطب الموجب تتسبب في أن تسير, الجسيمات المشحونة كهربائياً, في حركة كروية.
لنأخذ الكائن البشري كمثال. بما ان الجسد رفيق منفعل للعقل، فإنه يقيم قاعدة مشتركة مع العقل ويدخل معه في عطاء واخذ. مجازاً يدور الجسد حول العقل ويحقق اتحاد كامل معه، اذاً، وعندما يقف العقل كرفيق منفعل امام الله، ويدور حوله بعداً وقرباً في وحدة كاملة معه، وعندما يكون الجسم في وحدة مع العقل يكون الفرد مشابهاً للميزات الثنائية لله، ويقف بذلك في مقام الرفيق المتجسد المنفعل لله، وبذلك يحقق الفرد الغاية من الخلق.
كلاً من العقل والجسد يتكون من مميزات ثنائية، لذلك يكونان في داخلهما في حركة دائمة، لذلك نجد ان الحركة الدائرية الناتجة من ديناميكية العطاء والأخذ بين العقل والجسد تبدل من زاوية دورانها حول الله بدون توقف لتصير حركة كروية. الناس الذين حققوا الغاية من الخلق هم كائنات ثلاثية الأبعاد يمارسون حياتهم في علاقة كروية الشكل يكون مركزها الله، لذلك يمكنهم ان يسودوا حتى على عالم الروح (ناموس الخلق ٦-٢).
عندما تصير الحركة الدائرية للرفيق الفعال والرفيق المنفعل، والتي هي في مستوى واحد، حركة كروية في مدار ثلاثي الابعاد، تتجلى الديناميكية والإبداع في الخلق. اختلاف المدارات في المسافات، الشكل، الحالة، الإتجاه، الزاوية، القوة والتسارع يعبر عن جمال الخلق في تنوعه اللامتناهي.
مثلما ان لكل المخلوقات طبيعة باطنة وشكل ظاهر، فإن هنالك نوعاً من الحركة الكروية تمثل الطبيعة الباطنة، ونوعاً آخر يمثل الشكل الظاهر. كذلك هنالك مركز للحركة يمثل الطبيعة الباطنة، ومركز يمثل الشكل الظاهر. هذان المركزان لديهما نفس العلاقة التي بين الطبيعة الباطنة والشكل الظاهر.
ما هو المركز الاساسي لكل هذه الحركات الكروية؟ الكائن البشري هو مركز كل الكائنات المخلوقة، والتي هي رفيق منفعل مجسد لمميزات الله الثنائية في مستوى الرمز. الله هو مركز الكائنات البشرية، والتي خلقت كرفيق منفعل مجسد في مستوى الصورة. بالتالي، يكون الله هو المركز الأول لكل الحركات الكروية.
لندرس هذا بتوسع. كل رفيق منفعل لله يحتوي على رفيق فعال ورفيق منفعل في داخله. ويكون الرفيق الفعال هو مركز علاقتهم، لذا فإن الرفيق الفعال هو مركز اتحاد الرفيق الفعال والرفيق المنفعل. طالما ان الله هو مركز الرفيق الفعال، فهو كذلك المركز الاول لذلك الاتحاد. كما شرح سابقاً فإن الرفقاء الثلاثة المنفعلين الملموسين بالنسبة لله (الرفيق الفعال، الرفيق المنفعل والاتحاد) يكونون قواعد مشتركة مع بعضهم البعض من خلال العطاء والأخذ مع الله كمركز اول لهم، يحققون غاية الثلاث عناصر المنفعلة، ويؤسسون قاعدة المراكز الاربعة، وبذلك يكون الله هو المركز الأول الرئيسي لقاعدة المراكز الاربعة.
كل الاشياء التي اقامت قاعدة المراكز الاربعة بهذه الطريقة هي تجسيد مفرد للحقيقة. وكما ذكر سابقاً، فإن التجسيدات المفردة للحقيقة تنقسم بصورة عامة الى تجسيدات مفردة للحقيقة كصورة (الإنسان) وتجسيدات مفردة للحقيقة كرمز (بقية المخلوقات). الكون يتكون من عدد لا نهائي من التجسيدات المفردة للحقيقة، وهم في علاقة تبادلية مع بعضهم البعض من ادنى مستوى الى اعلى مستوى. ويحتل الإنسان المركز الأعلى بينهم. التجسيدات المفردة للحقيقة تدور كروياً كل منها حول الآخر، بحيث تقف تجسيدات المستوى الأدنى في مقام الشريك المنفعل لتجسيدات المستوى الأعلى، وهكذا. اي حركة كروية يكون مركزها تجسيد مفرد للحقيقة ذا مستوى اعلى، ويلعب دور الشريك الفعال. التجسيدات المفردة للحقيقة [في مقام الرمز]، والتي لا تحصى، ترتبط مراكزها من الأدنى الى الأعلى. المراكز العليا هي الكائنات البشرية، والتي هي تجسيدات مفردة للحقيقة في مستوى الصورة.
لننظر الى مركزية الإنسان. لقد اثبتت العلوم ان الجسيمات الأولية هي المكونات الأساسية لبنيان المادة، وانها تتكون من الطاقة. اذا نظرنا للهدف من خلق التجسيدات المفردة للحقيقة التي تشكل مادة الكون في مستويات مختلفة يمكننا ان نقول بأن الطاقة موجودة لتكوّن الجسيمات، والجسيمات لتكون الذرات، والذرات لتكون الجزيئات، والجزيئات تكون المادة، والمادة موجودة لخلق كل الكائنات المفردة في الكون، وعليه فإن نشاط الطاقة من اجل تكوين الجسيمات، ونشاط الجسيمات من اجل الذرات، ونشاط الذرات من اجل الجزيئات، ونشاط الجزيئات من اجل المادة، ونشاط المادة من اجل بنيان الكون.
ما هي الغاية من الكون؟ وما هو مركزه؟ الجواب لكِلا السؤالين هو الإنسان. هذا يفسر لنا لماذا بعد ان خلق الله الإنسان، امره ان يسود على كل الكون (تكوين ١:٢٨). وعليه حتى يأتي الإنسان القادر على تقييم هذا الكون، فسيكون كالمتحف الخالي من الزوار. ان المواد المعروضة في المتحف تكتسب قيمتها الحقيقية كآثار تاريخية فقط عندما يكون هنالك اناس يقدرونها ويعشقونها. علاقتها بالإنسان تعطيها قيمة وجودها. ما معنى وجودها اذا لم تجد الإنسان الذي يقيمها؟ نفس الشيء ينطبق على الكون الذي تكون السيادة فيه للإنسان. ان المخلوقات المتعددة تدخل في علاقات متبادلة مع الهدف المشترك. عندما يكتشف الإنسان مصدر وطبيعة المادة، وعندما يعرّف و يصنّف النباتات والحيوانات الموجودة في المياه واليابسة والجو، وكل النجوم في السماء يتحقق هدفها المشترك. عندما يتم تمثيلها في الجسم كمواد اساسية يحافظ بها الإنسان على وظائفه الفسيولوجية، وعندما تساهم في بناء البيئة الحياتية المريحة للإنسان، بهذا وبغيره يقف الإنسان كمركز للكون المخلوق من حيث الشكل الخارجي.
اضف الى ذلك، فإن الناس يرتبطون بالكون من موقعهم كمركز باطني. بينما العلاقات التي ناقشناها سابقاً هي علاقات مادية، فإننا هنا سنناقش العلاقات العقلية والروحية. بالرغم من ان جسم الإنسان يتكون من المادة، لكنه كامل الاستجابة الفسيولوجية للعاطفة والفكر والإرادة في العقل البشري. وهذا يفسر لنا ان المادة في داخلها لديها عناصر تتجاوب مع العاطفة، الفكر والإرادة التي تكون الطبيعة الباطنة للمادة. هذا هو السبب في ان كل الاشياء في الكون تستجيب لعواطف الإنسان وفكره وارادته على درجات متفاوتة. يسكرنا جمال العالم الطبيعي، ونعيش معه في وحدة صوفية. نحن نعيش ذلك لأننا نحن مركز الطبيعة الباطنة لكل الاشياء. عليه فإن البشر قد خلقوا كمركز للعالم. والمكان الذي يلتقي فيه الله في وحدة كاملة مع الإنسان يكون هو مركز الكون.
لنناقش من وجهة نظر اخرى كيف ان البشر هم مركز الكون الذي يتكون من عالم الروح وعالم المادة. كل كائن بشري يحتوي على كل عناصر الكون، إلا انه، كما ناقشنا سالفاً، كل مخلوق يمكن ان ينقسم بصورة عامة الى رفيق فعال و رفيق منفعل.
لو ان آدم، الأب الاول للبشر، وصل الكمال، لتجسدت فيه كل العناصر الفعالة في المخلوقات. لو ان حواء حققت الكمال لتجسدت فيها كل العناصر المنفعلة في المخلوقات. خلق الله آدم وحواء ليسودا على العالم الطبيعي، وكان عليهما ان ينموا معاً نحو الكمال. كان آدم سيصير ملكاً على كل العناصر الفعالة في الخليقة، وحواء كانت ستصير ملكة على كل العناصر المنفعلة. ثم بعد ذلك لو صارا وحدة واحدة كزوج وزوجة، لصارا المركز الذي يمكنه ان يحكم كل الكون المكون من الشركاء الفعالين والشركاء المنفعلين.
لقد خلق الإنسان ليكون مركز التجانس لكل الكون. لو ان آدم وحواء حققا الكمال، واتحدا كزوج وزوجة، فإن ذلك يعني التقاء مركَزَيْ المميزات الثنائية لكل المخلوقات في وحدة واحدة. لو ان آدم وحواء تحركا سوياً في تجانس وحققا الوحدة، َلرَقَصَ الكون كله بمميزاته الثنائية في تجانس وانسجام. ان المكان الذي يصير فيه آدم وحواء في وحدة كاملة، قلباً وجسداً، كزوج وزوجة، هو نفس المكان الذي يعطي فيه الله «الرفيق الفعال» الحب ويرجع فيه الإنسان الرفيق المنفعل، الجمال، ويكون فيه الله والإنسان في حالة اتحاد. هذا هو مركز الخير الذي تتحقق فيه الغاية من الخلق. هنا يقترب الله الاب ويقيم بين ابنائه الكاملين ويسكن في سلام الى الأبد. ان مركز الخير هذا هو الرفيق المنفعل للحب الإلهي الأزلي الذي يثير في الله الفرح الأزلي. هذا هو المكان الذي تتجسد فيه وتتحقق كلمة الله. انه مركز الحق، ومركز العقل الاصيل الذي يدلنا للسير في طريق تحقيق الغاية من الخلق. بالتالي فإن كل الكون سيتحرك حركة كروية بهدف موحد عندما يؤسس على قاعدة المراكز الاربعة التي يقيمها الرجل والمرأة الكاملان اللذان التقيا كزوج وزوجة مركزهما الله.
للأسف لقد فقد الكون مركزه بهبوط الإنسان. هذا يوضح لنا ما كتبه القديس بولس بقوله: «ان الخليقة تئن وترزح في انتظار ابناء الله» (رومية ٨:١٩-٢٢) الخليقة في انتظار الناس الذين استعادوا طبيعتهم الاولى كي يظهروا ويكونوا مركزاً لها.
٢-٤ وجود الله في كل مكان
تعلمنا ان قاعدة المراكز الاربعة المبنية على هدف المنفعلين الثلاثة من خلال الاصل- الانقسام- الاتحاد هي في حركة كروية نحو الله، لتصير متحدة مع الله. هذه هي القاعدة الاساسية لكل المخلوقات لتتلقى حاكمية الله وتمنح كل القوى التي تحتاج إليها في الحياة. في العالم الذي تتحقق فيه غاية الله من الخلق، تجسد فيه كل الكائنات المفردة طبيعة الله الباطنة الاولى وشكله الظاهر الاول، ثم تنشيء حركة كروية لكي تبني قاعدة لحاكمية الله، وبذلك يكون الله في كل الوجود.
٢-٥ تكاثر الحياة
لكي تتكاثر الكائنات الحية لابد لها ان تتوالد. وهذا التوالد يتم من خلال فعل الاصل- الانقسام- الاتحاد القائم على التفاعل الصالح. مثلاً، في النبات تنمو البذور وتتطور الى زهور تحتوي على السداة والمدق، لتنتج البذور عن طريق التلقيح، وتحافظ على نوعها. الحيوانات ترتبط في علاقة وتتزاوج وتلد. كل الخلايا في الحيوان والنبات تنقسم من خلال العطاء والأخذ.
عندما يعمل الجسم على حسب ما يريد العقل، ويدخل العقل والجسم في عطاء واخذ، يعيش الفرد حياة ذات معنى. هذا الفرد يجذب اولئك الذين يشبهونه في طريقة التفكير. عندما يعمل هؤلاء الشركاء مع بعضهم البعض في عمل منتج، فإن مجموعتهم ستنمو. يمكن القول بأن الكون تكوّن نتيجة لتكاثر التجليات الجوهرية لطبيعة الله الباطنة الأولى وشكله الظاهر الأول من خلال العطاء والأخذ في سعيها لتحقيق الغاية من الخلق.
٢-٦ السبب في ان كل الكائنات مركبة من مميزات ثنائية
اي كائن يحتاج للطاقة لوجوده، والطاقة يمكن ان تولد فقط من خلال العطاء والأخذ. من ناحية اخرى لا توجد مبادلة بدون شريك. لتوليد القوى التي يحتاجها الكائن لوجوده يجب ان يحتوي على مميزات ثنائية، شريك فعال وشريك منفعل يمكنهما ان يرتبطا في العطاء والأخذ.
ان الحركة التي تكون في خط مستقيم لا يمكن ان تستمر للأبد. كل كائن ذو طبيعة أزلية يجب ان يتحرك حركة دائرية، العطاء والأخذ بين الشريك الفعال والشريك المنفعل مهم لأي حركة دائرية. هذه حقيقة حتى بالنسبة لله. ان الله موجود ازلي بفضل مميزاته الثنائية. لكي تشابه مخلوقات الله طبيعته الأزلية فتكون رفيقه المنفعل الأزلي، فهي كذلك يجب ان تتكون من مميزات ثنائية. كذلك فإن الزمن يحافظ على ديمومته بواسطة إنتنظام دوراته المتكررة.