الباب الثاني. المجيء الثاني لإيليا ويوحنا المعمدان
تنبأ النبي ملاخي ان إلياس سوف يعود مرة اخرى «ها انا ذا ارسل إلكيم إيليا النبي قبل مجيء اليوم العظيم» (ملاخي ٤:٥). وقد شهد يسوع ان نبوءة مجيء إيليا تحققت في شخص يوحنا المعمدان: ولكنني اقول لكم ان إيليا قد جاء ولم يعرفوه، بل عملوا به كلما ارادوا.... حينئذ فهم التلاميذ انه حدّثهم عن يوحنا المعمدان (متى ١٧:١٢-١٣) ولكن يوحنا المعمدان لم يعرف انه هو المجيء الثاني لإيليا (يوحنا ١:٢١)، ولا حتى اليهود عرفوا ذلك. جهل يوحنا المعمدان عزز شكوكه في يسوع (متى ١١:٣). إن كثيراً من افراد الشعب اليهودي يحترمون ويقدرون يوحنا المعمدان، ويحترمون وجهة نظره. وهذا زاد من عدم إيمانهم بيسوع. إن جهل يوحنا كان العامل الرئيسي في إجبار يسوع على الذهاب الى الصليب.
٢-١ اعتقاد اليهود بعودة إيليا
أثناء فترة المملكة المتحدة، عمل الشيطان للحيلولة دون إنشاء المعبد المقدس، (الهيكل)، النموذج الإلهي، من خلال خطايا الملك سليمان (التطابق ٣). من اجل استعادة المعبد وتمهيد الطريق لمجيء المسيح- الذي هو تجسيد للمعبد- ارسل الله اربعة انبياء رئيسيين واثني عشر نبياً آخرين الى اسرائيل وعمل الله من خلالهم لتنقية اسرائيل من كل الآثار الشيطانية. بالإضافة الى كل هذا ارسل الله النبي ايليا لتحدي انبياء بعل في جبل الكرمل، وهزمهم بقوة الله وهدم المعابد التي اقاموها لبعل. صعد إيليا الى السماء عبر عاصفة ومركبة من نار (ملوك الثاني ٢:١١) قبل ان يتمم مهمته الإلهية. نشطت قوى الشيطان واستمرت في إعاقة عمل العناية الإلهية. طريق المسيح لا يمكن ان يكون مستقيماً حتى تتم إزاحة آثار الشيطان. عليه وقبل ان يحقق يسوع نموذج المعبد المجسد، لابد من نبي آخر ليرث ويكمل مهمة إيليا غير المكتملة في كسر روابط الشعب مع الشيطان. بسبب هذه الضرورة التي اقتضتها العناية الإلهية، تنبأ ملاخي عن عودة إيليا (ملاخي ٤:٥).
إن الشعب اليهودي والذي كان يؤمن بنبوءات الكتاب المقدس كان متحمساً لمجيء المسيح، ويجب ان نعلم انهم انتظروا بنفس الشوق عودة ايليا. هذا لأن الله وعدهم بوضوح من خلال اقوال النبي ملاخي انه سيرسل النبي ايليا قبل قدوم المسيح ليعد الطريق للرب. صعد ايليا الى السماء قبل ٨٥٠ سنة من ميلاد يسوع؛ طوال هذه الفترة ظلّ في عالم الأرواح. معروف لدينا قصة التجلي، عندما ظهر ايليا وموسى روحياً امام حواريي يسوع (لوقا ٩:٢٨-٣٦). لقد اعتقد الكثير من اليهود ان ايليا عندما يعود مرة اخرى سوف ينزل من السماء بنفس الطريقة التي صعد بها الى السماء. تماماً مثلما هنالك مسيحيون اليوم ينظرون الى السماء بكل عزم متوقعين مجيء يسوع من السحاب، يهود عصر يسوع كانوا ينظرون الى السماء بترقب ينتظرون عودة ايليا.
و مع ذلك، وقبل ان تأتي اي اخبار عن عودة ايليا تحقيقاً لنبوءة ملاخي، ظهر يسوع فجأةً وادعى انه المسيح. ليس غريباً ان يثير ظهور يسوع وإدعاءه الكثير من الإرتباك في اورشليم. اينما ذهب حواريو يسوع كان الناس يمطرونهم بوابل من الأسئلة عن إيليا الذي كان يجب ان يأتي اولاً. ولعدم تمكنهم من إعطاء إجابة مقنعة سأل الحواريون يسوع «إذاً لماذا يقول الكتبة ان إيليا ينبغي ان يأتي اولاً؟» (متى ١٧:١٠). اجاب يسوع إن يوحنا المعمدان هو ايليا الذي ينتظره الشعب (متى ١٧:١٢-١٣).
وبما ان الحواريون يؤمنون مسبقاً ان يسوع هو المسيح، فإنهم بكل رضا قبلوا هذه الشهادة بأن يوحنا المعمدان هو ايليا. ولكن كيف يمكن للآخرين الذين لا يعرفون يسوع ان يتقبلوا هذا الإدعاء المثير للجدل؟ وقد توقع يسوع نفسه عدم إيمانهم بسهولة، ولذا قال «وان اردتم ان تقبلوا فهذا هو إيليا الذي كان رجوعه مُنتَظراً « (متى ١١:١٤).
إن الذي زاد من تعقيد عدم إيمان اليهود بإدعاء يسوع هو إنكار يوحنا المبكر لهذا الإدعاء. اصر يوحنا على انه ليس إيليا «فسألوه، إذن ماذا؟ ايليا انت؟ فقال لست انا» (يوحنا ١:٢١)
٢-٢ الطريق الذي اختاره الشعب اليهودي
لقد اوضح يسوع بجلاء ان يوحنا المعمدان هو ايليا الذي ينتظره الشعب بترقب، بينما في المقابل نفى يوحنا المعمدان هذا الإدعاء. من الذي سيصدق الشعب اليهودي أقواله؟ إن هذا الأمر يعتمد على اي من الإثنين، يسوع ام يوحنا، يبدو اكثر مصداقية واكثر احتراماً في عيون الشعب في ذلك الوقت.
لنرى كيف كان يبدو يسوع للشعب اليهودي.
يسوع رجل صغير السن، غير متعلم، نشأ في منزل نجار فقير وضيع. هذا الرجل غير المعروف ظهر فجأة وقال عن نفسه انه «سيد السبت»، بينما هو ظاهرياً يدنس السبت الذي حافظ عليه تقاة اليهود بكل تبجيل واحترام (متى ١٢:١-٨). من هنا كانت سمعة يسوع بأنه الرجل الذي يريد ان يمحو الشريعة التي يعتبرها اليهود قاعدة الخلاص (متى ٥:١٧). وعليه اضطهد قادة المجتمع اليهودي يسوع، وأرغموه أن يجمع حوارييه من بسطاء الصيادين، وان يصبح صديق لجباة الضرائب والزناة والخطاة، حيث كان يأكل ويشرب معهم (متى ١١:١٩). والأسوأ من ذلك، من وجهة نظر قادة اليهود أنّ عيسى قد جَزَمَ أن جباة الضرائب و الزناة سيدخلون ملكوت الله قبل قادة اليهود (متى ٢١:٣١).
في احدى المرات جاءت احدى العاهرات الى يسوع وهي تبكي حتى بلت بدموعها قدميه، ومسحتهما بشعرها وقبلتهما ثم دهنتهما بدهان غال ونفيس (لوقا ٧:٣٧-٣٨). قبول مثل هذه الخدمة من عاهرة يبدو امراً غير مقبول حتى في المجتمع الحديث. من المؤكد انها كانت فضيحة في المجتمع اليهودي بكل مبادئه الأخلاقية المتزمتة، الذي فيه تُرجم المرأة الداعرة بالحجارة حتى الموت. ولكن يسوع لم يوافق على سخاء خدمتها فقط، بل مدحها وعاقب حوارييه عندما وبخوا المرأة (لوقا ٧:٤٤-٥٠).
إضافة الى ذلك ظهر يسوع وكأنه يضع نفسه على قدم المساواة مع الله (يوحنا ١٤:٩)، واكد ان لا احد يمكنه دخول ملكوت الله إلا من خلاله (يوحنا ١٤:٦). لقد شدد على انه يجب على الشعب ان يحبه اكثر من حبهم لآبائهم، إخوانهم، اخواتهم، زوجاتهم وابنائهم (متى ١٠:٣٧، لوقا ١٤:٢٦). بدت اعمال واقوال يسوع للكثيرين على انها تجديف. وعليه ليس غريباً ان يسخر منه قادة الشعب اليهودي، و يوبّخُهُ ويدينه بأنه مسكون ببعلزبول امير الشياطين (متى ١٢:٢٤). من كل هذا نخلص الى ان يسوع كان فاقد المصداقية في اعين الشعب اليهودي في ذلك الوقت.
كيف كان يبدو يوحنا المعمدان للشعب اليهودي في ذلك الوقت؟
ولد يوحنا المعمدان في اسرة مرموقة، إنه ابن زكريا، الكاهن. المعجزات والإشارات التي صاحبت حمله وميلاده ادهشت كل منطقة اليهودية. في احد الايام، وعندما كان زكريا يحرق البخور في المعبد ظهر امامه ملاك واعلن له ان امرأته العجوز العقيم سوف تحبل بمولود ذكر. وعندما لم يصدق كلمات الملاك، اصابه البكم، ولم ينطق لسانه إلا بعد ولادة الطفل (لوقا ١:٩-٦٦)، إضافة الى ان يوحنا عاش حياة مثالية من الإيمان والإلتزام في البرية وعاش على الجراد والعسل. لهذه الأسباب فكر كثير من اليهود انه ربما يكون هو المخلص، ولقد جاءته مجموعة من الكهنة واللاويين ليسألوه مباشرة ان كان هو المسيح (لوقا ٣:١٥، يوحنا ١:٢٠). لقد احترم الشعب اليهودي يوحنا بهذا القدر الكبير.
بالنظر الى هذه الظروف، فعندما يريد الشعب اليهودي في ذلك الزمن ان يقارن بين يسوع ويوحنا المعمدان، من منهم يبدو اكثر مصداقية في نظرهم؟ لا شك ان كلمات يوحنا لها مصداقية اكثر. وعليه فمن الطبيعي ان يصدقوا يوحنا المعمدان عندما انكر ان يكون ايليا اكثر من تصديقهم لشهادة يسوع بأن يوحنا هو ايليا. وبما ان الشعب يصدق يوحنا، فإنهم اعتبروا كلمات يسوع توليفة ملفقة لدعم ادعاءه المشكوك فيه بأنه المسيح. ونتيجة لذلك، ادين يسوع بالدجل.
بمجرد إدانة يسوع بالدجل، فإن تكذيب الناس له ازداد يوماً بعد يوم، ووجدوا ان اقواله وافعاله أكثر عدائيةً. وبما انهم اعتقدوا بصحة كلام يوحنا اكثر من كلام يسوع، فإنهم ايقنوا بأن ايليا لم يأتِ بعد وعليه فإنهم حتى لن يتخيلوا مجيء المسيح.
طالما ان اليهود مازالوا مؤمنين بنبوءات ملاخي، فإنهم سيرفضون يسوع الذي ادعى انه المسيح، لانه من وجهة نظرهم ان ايليا لم يأت بعد. وفي الجانب الآخر، اذا كان عليهم الإيمان بيسوع، فيجب ان ينكروا نبوءة الكتاب المقدس التي تؤكد ان المسيح سيأتي بعد عودة إيليا. وبما ان تقاة اليهود لا يفكرون ابداً في إنكار نبوءة الكتاب المقدس، فإنه لم يتبقَ لهم خيار غير تكذيب ورفض يسوع.
٢-٣ عدم إيمان يوحنا المعمدان
الكثير من قادة الشعب اليهودي ومن عامته كان يحترم يوحنا المعمدان لدرجة ان اعتقد البعض انه هو المسيح. لو ان يوحنا المعمدان اعلن انه إيليا، كما شهد يسوع، فإن كل الذين يترقبون بشوق ظهور المسيح، كانوا سيؤمنون بشهادة يوحنا ويتبعون يسوع. ولكن، وبسبب جهل يوحنا بالعناية الإلهية، اصر على انه ليس إيليا، وهذا الإصرار اصبح السبب الأول في عدم اتباع الشعب ليسوع.
لقد شهد يوحنا المعمدان ليسوع على نهر الأردن: انا اعمدكم بماء التوبة، ولكن الذي يأتي بعدي هو اقوى مني، الذي لست اه ً ان احمل حذاءه، هو سيعمدكم بالروح القدس ونار (متى ٣:١١) وانا لم اكن اعرف، ولكن الذي ارسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي الذي ترى الروح نازلاً ومستقراً عليه فهذا يعمد بالروح القدس، وانا قد رأيت وشهدت ان هذا هو ابن الله (يوحنا ١:٣٣-٣٤) لقد كشف الله مباشرة ليوحنا ان يسوع هو المسيح، وكان على يوحنا نشر الشهادة بهذا الوحي. إضافة الى انه قال «انا صوت صارخ في البرية، قوّمُوا طريق الرب» (يوحنا ١:٢٣). واعلن ايضاً انه الشخص الذي أُرسل قبل المسيح (يوحنا ٣:٢٨).
وعليه كان على يوحنا ان يدرك من خلال معرفته وحكمته الخاصة انه ايليا العائد. حتى ولو لم يتمكن يوحنا من إدراك هذه الحقيقة، فبمجرد ان كشف له الله ان يسوع هو المسيح، كان عليه ان يتقبل شهادة يسوع، وبكل طاعة يعلن انه ايليا. ولكن يوحنا، جه ً بإرادة الله، رفض شهادة يسوع له، إضافة الى انه انفصل عن يسوع وسار في طريق لوحده. يمكن تخيل الأسى الذي كان يحسه يسوع عند وقوع هذه الأحداث. ومدى الأسى الذي احسه الله عندما رأى ابنه في هذا الوضع الصعب.
في الحقيقة ان مهمة يوحنا المعمدان كشاهد ليسوع قد انتهت عندما عمد يوحنا يسوع وشهد له. كيف ستكون مهمته بعد هذه النقطة؟
في وقت ولادة يوحنا، امتلأ والده من الروح وتنبأ بنبوءة عن ان مهمة ابنه هي خدمة المسيح، قائلاً «بأن يمنحنا .... أن نعبده بلا خوف، بقداسة وبر أمامه، جميع طوال حياتنا» (لوقا ١:٧٤-٧٥). وعلى ضوء هذا، وبعد ان قدم يوحنا شهادته ليسوع، كان عليه اكثر من اي شخص آخر، ان يخدم يسوع بكل حماس وتجرد كأحد حوارييه لبقية حياته. ولكن ترك يوحنا يسوع ومضى يعمد بصورة منفصلة. فليس من الغريب ان يرتبك الشعب اليهودي لدرجة الإفتراض ان يوحنا هو المسيح (لوقا ٣:١٥). وكان قادة الشعب ايضاً مرتبكين (يوحنا ١:١٩-٢٠). اضف الى ذلك ، انه وفي احدى المرات تشاجر يهودي من اتباع يسوع مع حواريي يوحنا في اي من معلميهما يؤدي معمودية (يوحنا ٣:٢٥-٢٦) اكثر.
إننا يمكن ان نستنتج من إفادة يوحنا «فلابُدّ أن يزيد هو و انقص أنا» (يوحنا ٣:٣٠)، انه وفي قرارة نفسه لا يعتبر نفسه شريك ليسوع في نفس الغاية. إذا كان يوحنا المعمدان ويسوع يسيران جنباً الى جنب يشتركان في نفس الغاية، فكيف يمكن ان ينقص يوحنا كلما زاد يسوع؟ بالطبع كان يجب ان يكون يوحنا المعمدان حواري يسوع الأول و يصرّح بحماس عن بشارة يسوع، ولكن، بسبب جهله، لم ينجز مهمته وحياته الغالية التي كان يجب ان يهبها ليسوع، ضاعت في امور ليست ذات اهمية (مرقص ٦:١٤-٢٩).
عندما كان تفكير يوحنا المعمدان محوره الله، تمكن من التعرف على يسوع على انه المسيح وشهد له بذلك. ولكن عندما فارقته روح الإلهام وعاد الى حالته الدنيوية، عاد إليه جهله مما زاد من قلة إيمانه ومن عدم قدرته على التعرف على أنه إيليا العائد. بدأ يوحنا في معاملة يسوع بنفس اسلوب عدم التصديق الذي كان ينظر به اليهود الى يسوع، خاصة بعد سجنه. وبدأت له كل اقوال يسوع وافعاله محيرة وغريبة. في إحدى المرات حاول يوحنا ان يذيب شكوكه عندما ارسل حوارييه الى يسوع سائلاً «انت هو الآتي، ام ننتظر آخر؟» (متي ١١:٣).عندما ووجه يسوع بهذا السؤال من يوحنا أجابه بسخط مع لهجة عتاب: اذهبوا واخبروا يوحنا بما تسمعون وترون. العُمْي يبصرون، والعُرْج يمشون، والبرص يطهرون، والصم يسمعون،والموتى يقومون، والمساكين يبشرون، وطوبى لمن لا يعثر في (متى ١١:٤-٦)
لقد تم اختيار يوحنا المعمدان لمهمة خدمة يسوع منذ ان كان في رحم امه. فقد عاش حياة قاسية وزاهدة في البرية ليبني واجباته الدينية «الكهنوت» حتى يعد الطريق للمسيح القادم. وعندما بدأ يسوع التبشير العام، أوحى الله ليوحنا عن شخصية يسوع قبل اي شخص آخر، وحث يوحنا على نشر هذه الشهادة على ان يسوع هو ابن الله. ولكن يوحنا لم يستقبل هذه النعمة التي اسبغتها عليه السماء بصورة صحيحة. وعليه عندما واجه يسوع سؤال يوحنا المتشكك لم يجب يسوع على نحو واضح انه هو المسيح، بدلاً عن ذلك اجابه بطريقة غير مباشرة. من المؤكد ان يكون يوحنا المعمدان قد سمع عن معجزات و علامات يسوع. بالرغم من هذا، اجابه يسوع اجابة مبطنة، تُذكِّر يوحنا بالأعمال التي يقوم بها، آملاً ان توقظ شخصيته الحقيقة.
علينا أن نفهم أنه عندما قال يسوع ان «المساكين يبشرون»، كان يعبر عن عميق اساه لعدم ايمان يوحنا المعمدان وقادة اليهود. إن اليهود الذين اعدهم الله، و يوحنا المعمدان بصورة خاصة، هُم الأغنياء الذين باركهم الله بحب وافر كبير. ولكن وبسبب رفض الجميع له، كان على يسوع ان يجول في كل انحاء الجليل واقاليم السامرة يبحث بين الفقراء عمن يستمع الى بشارته وتعاليمه. هؤلاء الفقراء هم صيادو السمك غير المتعلمين و جُبَاة الضرائب والعاهرات.
الحواريون الذين كان يسوع يفضل أن يجدهم ليسوا امثال هؤلاء. وبما ان يسوع جاء ليبني ملكوت الله على الارض، فإنه في حاجة الى قائد يقود ألف، اكثر من حاجته الى الف يتبعون قائد واحد. ألم يبشر بالإنجيل للكهنة والكتبة في المعبد؟ لقد ذهب الى هناك بحثاً عن اناس مستعدين وقادرين.
رغم ذلك، و كما عبّر يسوع في مثال، لأن الضيوف الذين دعوا الى حفل، لم يأتوا، كان عليه ان يتجول في الطرقات والطرق الجانبية بحثاً عن الفقراء والمقعدين والعمي والعرج (لوقا ١٤:١٦-٢٤). وفي مواجهة هذا الوضع البائس بإعطاء المأدبة المعدة للأغنياء، الى المنبوذين في المجتمع، عبّر يسوع عن اسفه عبر هذه الكلمات التي ادان بها الشعب «وطوبى لمن لا يعثر في» (متى ١١:٦).
رغم ان يوحنا كان شخصاً محبوباً في زمانه، فإن يسوع أدان حياة يوحنا بقوله بطريقة غير ماشرة ان الشخص الذي يعثر فيه لن يباركه الله، بغض النظر عن مقدار عظمته.
لقد عثر يوحنا، ولذا فشل في مهمته في خدمة يسوع بكل تجرد طوال حياته.
بعد ان فرغ حواريو يوحنا المعمدان من سؤال يسوع وغادروه، علق يسوع بأنه وبالرغم من ان يوحنا كان يمكن ان يكون اعظم الأنبياء، إلا انه فشل في إتمام المهمة التي اوكلها له الله: الحق أقول لكم، لم يظهر بين المولودين من النساء اعظم من يوحنا المعمدان، ولكن الاصغر في الملكوت اعظم منه (متى ١١:١١) كل إنسان في السماء ولد من امرأة وعاش حياة ارضية. وبما ان يوحنا هو الأعظم من بين كل الذين ولدوا من نساء، فإننا نتوقع ان يكون الأعظم في ملكوت السماء. لماذا يوحنا اصغر من اي صغير في الملكوت؟
عدد كبير من الأنبياء في الماضي شهدوا للمسيح بطريقة غير مباشرة، وبمرور الزمن، فإن يوحنا في المقابل كانت مهمته الشهادة للمسيح مباشرة. إذا كانت الشهادة للمسيح هي المهمة الرئيسية للأنبياء، فإن من المؤكد ان يوحنا المعمدان هو اعظم الأنبياء. ولكن من ناحية خدمة المسيح فهو اصغر الجميع. ان كل من في ملكوت السماء، بغض النظر عن وضعه عندنا، علم ان يسوع هو المسيح وقام بخدمته بكل تفاني وإخلاص. ولكن يوحنا المعمدان الذي دُعي لخدمة المسيح اكثر من اي فرد آخر انفصل عن يسوع وسار في طريقه الخاص، فبلغة التفاني في خدمة يسوع، فهو اقل من الاصغر في ملكوت السماء.
واصل يسوع حديثه «ومن أيام يوحنا المعمدان الى الآن ملكوت السموات يغصب والغاصبون يختطفونه» (متى ١١:١٢ الطبعة العالمية الجديدة). تم اختيار يوحنا المعمدان من قبل ولادته، وعاش حياة زهد قاسية في البرية، فلو خدم يسوع بكل إخلاص، فإن منصب كبير حواريي يسوع كان سيكون له، ولكن لفشله في خدمة يسوع، فإن بطرس، من «الغاصبين»، تسلم زمام منصب كبير الحواريين. يمكننا ان نستنتج من التعبير «من ايام يوحنا المعمدان وحتى الآن» ان الكلمات التي قالها يسوع بعد ذلك (متى ١١:١٦-١٩) لا تشير في الاصل الى الشعب بصورة عامة، ولكن بصورة خاصة الى يوحنا المعمدان.
واختتم يسوع «والحكمة تبررت من بينها» (متى ١١:١٩). لو تعامل يوحنا بحكمة لما ترك يسوع، وكل اعماله ستذكر الى الابد على انها اعمال بر وصلاح. ولكن لسوء الحظ كان احمق. لقد اغلق مسار اليهود نحو يسوع مثلما اغلق طريقه هو.
من هنا نفهم ان السبب الرئيسي لوفاة يسوع على الصليب هو فشل يوحنا المعمدان.
٢-٤ المعنى الذي كان به يوحنا المعمدان هو إيليا
لقد قررنا سلفاً ان يوحنا المعمدان يجب ان يرث ويتمم المهمة التي تركها إيليا غير مكتملة على الارض. وكما هو مسجل في الكتاب المقدس انه ولد بمهمة الوقوف امام الرب بروح إيليا وقوته ليرد «قلوب الآباء الى الأبناء، والعصاة الى فكر الابرار، لكي يهيء للرب شعباً مستعداً» (لوقا ١:١٧). وعليه، ومن وحي مهمته، يكون يوحنا هو المجيء الثاني لإيليا.
إضافة الى، كما سنوضحه بالتفصيل (البعث ٢-٣-٢)، ان ايليا قد عاد فعلاً بالروح وحاول مساعدة يوحنا المعمدان لإنجاز المهمة التي فشل هو في تحقيقها اثناء حياته الأرضية. كان يوحنا يعمل في نفس الوقت كجسد لإيليا، يعمل من خلاله إيليا لإتمام مهمته. وعليه، وعبر مهمتهما المشتركة، يمكن النظر الى يوحنا على انه نفسه هو إيليا.
٢-٥ موقفنا من الكتاب المقدس
لقد عرفنا ان جهل وعدم إيمان يوحنا المعمدان بيسوع ادى الى عدم إيمان الشعب اليهودي، والذي ادى آخر الأمر الى صلب يسوع. حتى اليوم لم يقم احد بكشف هذا السر الإلهي، لأننا نقرأ الكتاب المقدس بإعتقاد لا يدانيه شك ان يوحنا نبي عظيم.
إن تبصرنا الجديد في يوحنا المعمدان يعلمنا انه يجب ان نتخلى عن موقفنا الإيماني المحافظ الذي يجعلنا خائفين من الشك في العقائد المألوفة والتعاليم التقليدية. ألا يكون من الخطأ اعتبار يوحنا قد فشل في مهمته لو كان حقاً قد نجح؟ بالمثل فمن الخطأ الإعتقاد بأن يوحنا انجز مهمته بينما هو في الحقيقة غير ذلك.
يجب ان نبذل جهداً بإستمرار ليكون لدينا الإيمان الصحيح، بالبحث في الروح والحقيقة. على الرغم من ان نقاشنا عن يوحنا المعمدان قد اعتمد على دراسة الكتاب المقدس. إلا ان القادرين على الاتصال الروحي يمكنهم مشاهدة حالة يوحنا المعمدان ليؤكدوا ان الكشف أعلاه عن يوحنا كله حقيقة وصحيح.