الباب السابع. عناية الرجعى و الإصلاح و تقدم التاريخ
إن ملكوت الله على الأرض هو مجتمع تشكلت تركيبته على صورة الإنسان الكامل (ناموس الخلق ٣-٢). و بالمثل، المجتمع الهابط يمكن اعتباره على شبه الإنسان الهابط. و يمكننا أن نفهم بصورة أفضل تاريخ المجتمعات التي بناها الإنسان الهابط بملاحظة حياة الإنسان الهابط من الداخل.
الإنسان الهابط يمتلك كل من العقل الأصيل، الذي يدفعه للنضال من أجل الخير، و العقل الشرير، الذي يملأه بالرغبات الشريرة و الثورة ضد دوافع العقل الأصيل. و نستطيع القول بأن كلا العقلين في حرب مستمرة مع بعضهما البعض، و ذلك يجعل الإنسان أكثر ميلا إلى سلوكيات متصارعة و مراوغة. و بما أن المجتمع الإنساني يتكون من أفراد في حرب مستمرة مع أنفسهم، فإن التعامل بينهم لا يستمر، بل هو مليء بالصراع و التنافر. يحتوي التاريخ الإنساني على أفراد بدواخلهم صراعات ترتبط بعلاقاتهم الاجتماعية المتغيرة مع الزمن، و هذه بالضرورة تؤدي إلى نزاعات و حروب.
رغما عن كل شيء و في وسط العراك المستمر بين العقل الأصيل و العقل الشرير، ناضل الناس دائما لطرد الشر و اتباع طريق الخير. و كلما كسبوا أرضا في نضالهم هذا حملت جهودهم ثمار الأعمال الخيرة. نسبة لنشاط العقل الأصيل داخل نفسه، فإنه حتى الإنسان الهابط يمكنه الاستجابة لعناية الله للرجعى و الإصلاح و المشاركة في إنماء هدف الخير.
إن تقدم التاريخ يأخذ أصله من الأفراد الذين، و رغم دوامة الخير و الشر، بذلوا جهدا و تصميما لرفض الشر و حب الخير. و عليه فإن العالم الذي يتقدم التاريخ نحوه هو ملكوت الله، حيث يتحقق هدف الخير. يجب علينا أن نفهم أن الصراعات و الحروب هي ظواهر مؤقتة لفصل الخير عن الشر سعيا وراء هذا الهدف الحتمي. و رغما عن ذلك قد ينتصر الشر في بعض الأوقات، و يستغل الله هذا الوضع ليحرك التاريخ نحو تحقيق خير أكثر. و في هذا المجال يمكننا أن ندرك أن تقدم التاريخ نحو الخير يقوده الله من خلال مجموعة من العمليات التي تعمل باستمرار على تمييز الخير من الشر بناء على عناية الله للرجعى و الإصلاح.
و في هذا الأثناء، و على أساس علاقة الدم التي تربطنا بالإنسان الأول، عمل الشيطان من خلال الإنسان الهابط ليحقق، قبل الله، شكل منحرف من المجتمع النموذجي الذي عزم الله على تحقيقه. ونتيجة لذلك فإننا نشاهد في تاريخ الإنسان قيام مجتمعات خالية من الناموس الإلهي مبنية على صور مشوهة للناموس. و في نهاية التاريخ الإنساني، و قبل أن يستعيد الله ملكوت السماء على الأرض، سيبني الشيطان عالم خالي من الناموس الإلهي بصورة مشوهة للملكوت: ذلك هو العالم الشيوعي. هذه لمحة عن كيف قلد الشيطان، و الذي له سابقة في التاريخ الإنساني، تنفيذ خطط الله قبل الله. في مسار العناية للرجعى و الإصلاح الشبيه المزيف يسبق ظهور الحقيقي (الإعداد ٣-٢؛ الإعداد ٤-١). تنبؤ يسوع بظهور مسحاء كذبة قبل المجيء الثاني للمسيح (متى ٢٤:٢٣–٢٤؛ يوحنا الأولى ٢:١٨) يمكن إيضاحه بهذا الجانب من الناموس.
٧-١ تقدم التاريخ في عصر العناية للرجعى و الإصلاح
بعض المؤرخين يعتقدون أن أول مجتمع بناه الإنسان الهابط هو مجتمع بدائي جماعي. من وجهة نظر العناية الإلهية، فإن المجتمعات البدائية التي بناها الإنسان الهابط مركزها الشيطان. بالرغم من أن الشيطان حاول بناء مجتمع جماعي حيث يشارك الناس بعضهم بعضا في ممتلكاتهم، إلا أنه يبقى تقليد ناقص للمجتمع الذي كان الله عازما على بنائه عبر أشخاص كاملي الشخصية: مجتمع يتصف بالتكافل، الثروة المتبادلة، و القيم الكونية المشتركة. و بغض النظر عن الشكل فإن ذلك المجتمع الشيطاني البدائي لا يمكن أن يكون أبدا خاليا من الصراعات و الانقسامات. و لو كان خلاف ذلك لأصبح وجودا سرمديا و بلا تغيير، و لما تحققت أبدا عناية الله للرجعى و الإصلاح.
في الحقيقة وجود عقلين في حرب داخل الإنسان الهابط يؤدي إلى صراعات داخلية تظهر نفسها عبر أفعاله و تؤدي به إلى خلق صراعات مع الآخرين. و عليه فإنه من المستحيل للمجتمع الشيطاني البدائي أن يتبع هدف العيش الجماعي و يحافظ على السلام. و بما أن المجتمعات البدائية تطورت إلى مجتمعات كبيرة لها علاقات اقتصادية و اجتماعية مختلفة، فإن هذه الصراعات تطورت بنفس هذا النسق. و بسبب نشاط العقل الأصيل الذي يدعو الإنسان للاستجابة لعناية الله للرجعى و الإصلاح، فإن الانقسامات بين الخير النسبي و الشر ظهرت في المجتمعات البدائية تحت تأثير سلطة الشيطان.
عند ملاحظة مسار التطور الاجتماعي الذي وجهه الشيطان، فإننا نجد أن المجتمعات العشائرية تطورت من الانقسامات بين الأفراد داخل المجتمعات البدائية. و قد مالت هذه المجتمعات للتوسع، و تطورت المجتمعات العشائرية إلى مجتمعات إقطاعية، و بعدها إلى مجتمعات ملكية بزيادة إقطاعياتها و قُوَّتَهَا. لقد تملك الشيطان هذا النمط من التقدم قبل الله، لأنه فهم خطط الله لاختيار الأفراد الخيرين من هذا العالم الخاطئ، و جعلهم يقومون ببناء مجتمع عشائري خير، ليتوسع إلى مجتمع إقطاعي خير ليصل في النهاية إلى مرحلة مملكة خيرة بأقاليم و سلطات كافية لمجيء المسيح و إنجازه لعمله.
اختار الله إبراهيم من العالم الخاطئ ليصبح معيارا للخير، و باركه و أحفاده الذين سيحملون إرادة الله. رعى الله أحفاد إبراهيم ليكونوا مجتمع إسرائيل العشائري الأول. دخلوا مصر كمجتمع عشائري، و لكن عندما غادروا مصر إلى كنعان نموا إلى مجتمع قبلي. كان مجتمع إسرائيل في فترة القضاة مجتمعا إقطاعيا.
المجتمع الإقطاعي في هذا السياق يشير إلى مجتمع به نظام سياسي يتصف بعلاقات السيد – الخادم في الخدمة و الطاعة، و نظام اقتصادي يتكون من وحدات اكتفاء ذاتي في الأقاليم الصغيرة المعزولة. في فترة القضاة كان للمجتمع الإسرائيلي مثل هذه الصفات. عندما دخل الإسرائيليون كنعان تم تخصيص نصيب من الأرض لكل قبيلة. القضاة الذين حكموا تلك الأقاليم لعبوا دورا شبيها بدور الأساقفة و سادة الإقطاع في أوروبا العصور الوسطى.
إن من طبيعة المجتمعات الإقطاعية أن يعتنق الناس عقائد سادتهم، و يطيعوا أوامرهم. و طالما بقي هذا السيد مؤمن بإرادة الله، فإن شعبه سيتبعه و يقف إلى جانب الله. و بالعيش في نظام سياسي قائم على علاقة السيد – الخادم، و اقتصاد اكتفاء ذاتي معزول تماما عن العالم الخارجي، فإنه تكون لديهم قدرة كبيرة لمقاومة هجمات الشيطان الخارجية. السبب الرئيسي في تحول مجتمع العشيرة و تطوره إلى مجتمع إقطاعي هو من أجل تحويل الثروة و الناس، الذين كانوا ينتمون إلى الشيطان، إلى جانب الله. و بتوسيع الأقاليم التي تحت سلطة الله، فإنها تكون في مكان بعيد عن غزو الشيطان. بفهمه لهذه العناية الإلهية، حاول الشيطان المحافظة على حكمه بتملكها و تكوين نظامه و مجتمعاته الإقطاعية مبكرا قبل عدة قرون.
إن هدف العناية من المجتمع الإقطاعي في إسرائيل الأولى هو وضع القاعدة لتأسيس مجتمع ملكي به أقاليم أكثر و سلطة أقوى. المجتمع الملكي يدمج في داخله الوحدات السياسية و الاقتصادية الصغيرة التي أمنها المجتمع الإقطاعي الأول لتصبح إقليما واحدا، تعداده السكاني كبير، و به اقتصاد قوي و سلطة محمية بالقوة. و هذا ما تم تأسيسه خلال المملكة المتحدة التي كونها الملك شاول.
كان يسوع سيأتي ملكا للملوك (رؤيا ١١:١٥). و لقد بنى الله المجتمع الملكي في إسرائيل لإعداد قاعدة قوية بما فيه الكفاية لمجيء المسيح ليحكم كملك للملوك.
و قبل فترة طويلة، فهم الشيطان عناية الله لاستقبال المسيح عبر بناء النظام الملكي و كون مجتمعاته الملكية الخاصة لإغلاق الطريق أمام عناية الله. قبل عدة قرون من تأسيس المملكة المتحدة في إسرائيل، تكونت السلالة الحاكمة في مصر و استمرت مصر الفرعونية عبر حوالي ثلاثين أسرة فرعونية. مملكة بابل القديمة حكمت ما بين النهرين أثناء حكم حمورابي في القرن الثامن عشر قبل الميلاد. و الحيثيون حكموا بقوة في الشرق الأدنى في إقليم سوريا أثناء القرن الرابع عشر قبل الميلاد. حتى داخل العالم الشيطاني، كانت هنالك حروب دائمة بين الممالك الخيرة نسبيا و الممالك الشريرة نسبيا، نتج عنها فصل الخير عن الشر. هذا التوجه نحو الخير متجذر في العقل الأصيل الذي يستجيب لنداء عناية الله للرجعى و الإصلاح.
لو أن الملك سليمان خدم إرادة الله حتى النهاية، لكان قد مارس المهارات السياسية التي أعطاها له الله لتوحيد دول الشرق الأدنى. و لكان قد استوعب حضارة مصر، و جزيرة كريت، و ما بين النهرين، و التي كانت ضعيفة في ذلك الوقت. و هكذا كان يمكن أن يبني سيادة على مستوى العالم يأتي إليها المسيح ليحقق سلطة الله على الأرض. لكن، و لسوء الحظ وقع سليمان في عبادة الأصنام، و عليه كان على الله أن يبدأ تدبيرا يفكك هذا المجتمع الملكي الذي بناه، بكل ألم.
عندما لم يتمكن ملوك مملكة إسرائيل المتحدة من وضع القاعدة للمسيح، أو إكمال العمل الأساسي الذي من خلاله يستعيد الله سلطته، قسم الله المملكة إلى قسمين: إسرائيل في الشمال، و يهوذا في الجنوب. و عندما استمرتا في العمل في انتهاك إرادة الله سمح الله بتدمير مملكة إسرائيل الشمالية على يد الآشوريين. قام الآشوريون في القرن الثامن قبل الميلاد بغزو كل منطقة الشرق الأدنى القديم، بما في ذلك مصر، لبناء أول إمبراطورية عالمية. تمسكت مملكة يهوذا بإرادة الله فترة من الزمن، و لكنها بعد ذلك تمردت على الله. و عليه سمح الله بسقوطها على يد إمبراطورية بابل الجديدة، و التي حلت محل الآشوريين كإمبراطورية عالمية.
بعد سقوط مملكة يهوذا، ترك الله عرش إسرائيل خاليا، و وضع الشعب اليهودي تحت سيطرة إمبراطوريات الوثنيين المتتالية طوال هذه الفترة إلى مجيء المسيح. و الجدير بالملاحظة أن الله وضعهم في مجال الحضارة الهيللينية التي وضعت الإطار الأيديولوجي للديموقراطية. صاغ الله المجتمع الإسرائيلي على شكل ديموقراطي لكي ينادى بالمسيح، عندما يأتي، ملكا بإرادة الشعب الذي سيرحب به من كل قلبه، و لكن عامة اليهود لم يرفعوا من قيمة يسوع بدرجة كبيرة و بدون أي دعم شعبي، تم صلبه. و نتيجة لذلك، و في ختام العناية الإلهية التي بدأت قبل ألفي عام عندما اختار الله إبراهيم و أحفاده من العالم الخاطئ، لم يتحقق هدف الله إلا روحيا فقط.
٧-٢ تقدم التاريخ في عصر امتداد العناية للرجعى و الإصلاح
٧-٢-١ عناية الله للرجعى و الإصلاح و تاريخ الغرب
إن الإمبراطورية الرومانية التي اضطهدت المسيحية، ركعت أخيرا أمام يسوع المصلوب في القرن الرابع الميلادي، و تبنت المسيحية كدين رسمي للدولة. كان دور العناية الإلهية الأصلي للإمبراطورية الرومانية، التي وحدت العالم القديم حول البحر الأبيض المتوسط، هو وضع القاعدة لمملكة المسيح على الأرض. و لو أن الشعب اليهودي آمن بيسوع كمسيح و اتحد معه، لاستطاع يسوع أن يتغلب على الإمبراطورية الرومانية أثناء حياته، و لمُجِّد في كل الإمبراطورية كملك للملوك، و لكان قد أسس سيادة على مستوى العالم مركزها أورشليم. و لكن، و بسبب عدم إيمان الشعب اليهودي، تم تدمير اليهودية (Judea)، و اضمحلت الإمبراطورية الرومانية الغربية. كان ذلك بعد قرن من غزو البرابرة المتكرر، مما أدى لنهاية الإمبراطورية الرومانية الغربية عام ٤٧٦م.
و بهذه الطريقة انتقل مركز عناية الله للرجعى و الإصلاح من أرض اليهودية (Judea)، أرض الأسى الإلهي المرير، إلى أوروبا الغربية، التي كانت سابقا منطقة من الإمبراطورية الرومانية الغربية تحتلها الآن القبائل الجرمانية. و بناء على ذلك، فإن العناية الإلهية الروحية للرجعى و الإصلاح و المرتكزة على المسيحية تتم إدارتها أساسا في أوروبا الغربية. نجد أن تاريخ هذا العصر قد تقدم بانتظام في أوروبا الغربية وحدها بناء على النمط الذي أقامته عناية الرجعى و الإصلاح (مثل، تطور مسار التاريخ الذي ناقشته النظرية الماركسية في المادية التاريخية، و الذي ينطبق أيضا على تاريخ أوروبا الغربية فقط). إن تاريخ المسيحية في أوروبا الغربية يمدنا بمعلومات عن الأحداث التي شكلت عصر امتداد عناية الرجعى و الإصلاح.
٧-٢-٢ العلاقات المشتركة و المتبادلة بين التاريخ الديني، تاريخ الاقتصاد و التاريخ السياسي
لكي يستطيع الإنسان أن يحكم كل من عالم الروح و عالم المادة، خلقه الله بكينونة مزدوجة من النفس الروحية و النفس الجسدية (ناموس الخلق ٦-٢). لو لم يهبط الإنسان لوصلت نفسه الروحية و نفسه الجسدية إلى الكمال معا. عقله الروحي و عقله الجسدي كانا سيرتبطان معا في تجانس تام أثناء حياته الدنيوية. بعد الهبوط أصبح الإنسان جاهلا بكل من عالم الروح و عالم المادة، و عمل الله للتغلب على الجهل الروحي في الإنسان عبر الدين، و على الجهل المادي عبر العلوم (اليوم الآخر ٥-١).
ساعدت الأديان الإنسان الهابط على التغلب على جهله الروحي تدريجيا بتنبيهها لعقله الأصيل الكامن حتى ينشط. لقد علمت الأديان الإنسان أن يركز حياته على عالم الله، عالم السبب غير المرئي. بما أنه ليس كل الناس يحسون بحاجة ماسة للدين، فإن عددا قليلا من الناس يحصل على المعرفة الروحية سريعا بينما الغالبية العظمى منهم نجد أن نموهم الروحي بطئ. نقول هذا اعتمادا على الحقيقة الثابتة هذه الأيام. هنالك انتشار واسع للأديان في شتى أنحاء العالم، إلا أن المستويات الروحية للناس ليست أفضل من التي كانت في العصور القديمة.
في المقابل، اعتاد الناس على المعارف العلمية، التي وسعت كثيرا من معرفتنا بالعالم المادي. و بما أن العلوم تتعامل مع الأشياء العملية التطبيقية، فإن أي فرد يحس بالحاجة الملحة لها. و لذلك فإن زيادة معرفة الإنسان بالعالم المادي انتشرت و بسرعة.
علاوة على ذلك، بينما يكون موضوع الدراسات الدينية هو في عالم السبب غير المحسوس و المتسامي، فإن البحوث العلمية تنظر في مواضيع مادية محسوسة في عالم النتيجة. عليه فإنه و إلى اليوم يظل الدين و العلم متناقضين من الناحية النظرية. علاوة على ذلك، فإن الشيطان يتسلط على الكون و يهاجم و يفسد الناس أثناء حياتهم في هذا العالم. بينما الدين يعلمنا أن ننكر العالم. و بهذه الطريقة فالدين لا يمكنه أن ينسجم بسهولة مع العلم الذي يبحث عن وسائل تطوير الحياة في هذا العالم.
نعرف أن الله خلق أولا الجسد المادي الخارجي للإنسان قبل أن ينفخ فيه الروح الداخلية (تكوين ٢:٧). لذلك نجد أن عناية الرجعى و الإصلاح، و التي هي عملية إعادة للخلق تتبع نفس النمط، من الخارجي إلى الداخلي. فمن وجهة نظر العناية الإلهية هذه، يتضح أنه و في أثناء مسار التطور كان الدين و العلوم متباينين، و في بعض الأحيان متصارعين (الإعداد ١).
نفس هذا الخلاف و النزاع نجده بين حياة الإنسان الدينية و الاقتصادية، تماما مثل العلوم فإن النشاطات الاقتصادية تتعامل مع العالم الملموس. النمو الاقتصادي يرتبط ارتباطا وثيقا بتطور العلوم، و عليه فإن التاريخ الديني، الذي يعتمد على التطور الداخلي للعناية الإلهية، و التاريخ الاقتصادي الذي يعتمد على التطور الخارجي للعناية الإلهية، أخذا اتجاهات متباعدة، و تقدما بمستويات مختلفة. و عليه لفهم تاريخ الغرب، و الذي تبع النمط الذي أقامته العناية الإلهية للرجعى و الإصلاح، لا بد لنا من أن نتمعن في تاريخ المسيحية و تاريخ الاقتصاد الغربي بصورة منفصلة.
فيما يخص العلاقة بين الدين و العلوم، نجد أن الدين و الاقتصاد يرتبطان في أنهما مسئولان عن استعادة المظاهر الداخلية و الخارجية لحياة الإنسان الهابط. بالرغم من أن الدين و الاقتصاد يبدوان و كأنهما يتطوران بصورة متباينة، إلا أنهما مرتبطان في حياة المجتمع. و عليه فإن هنالك تأثير متبادل بين تاريخ المسيحية و تاريخ الاقتصاد.
الدين و الاقتصاد يتكاملان مع حياتنا في المجتمع عبر السياسة. بصورة خاصة في أوروبا الغربية، حاول السياسيون ربط النمو الاقتصادي، و الذي تلازم مع تقدم العلوم، مع مسار المسيحية، و الذي كان غالبا ما يفتقر إلى الإحساس الواضح لتوجيه العناية الإلهية له. إن التاريخ السياسي للغرب مهد طريقا يمكن من خلاله حدوث تجانس بين الدين و الاقتصاد. و عليه لفهم تقدم التاريخ بدقة، و في أثناء تحركه تجاه عناية الرجعى و الإصلاح، لا بد لنا أن نتمعن بصورة منفصلة في تاريخ السياسة.
كتوضيح لكيفية تقدم المسارات الدينية و السياسية و التطور الاقتصادي، كل بصورة منفصلة، لا بد لنا من رسم صورة تفصيلية للأوضاع التاريخية في أوروبا الغربية في نهاية القرن السابع عشر.
بالنظر إلى تاريخ الدين فقد تأصلت قيم الديموقراطية في المسيحية خلال هذه الفترة. المسيحية ذات الشكل الملكي تحت حكم البابا تبعثرت مع حركة الإصلاح البروتستانتية في ١٥١٧م. إن الشعب الأوروبي الذي كانت حياته في العصور الوسطى مكرسة لسلطة البابا تحرر تدريجيا لكي يبدأ حياة دينية تعتمد على قراءته الخاصة للكتاب المقدس. و بالنظر إلى السياسة في ذلك العصر، نجد أن السلطة الملكية المطلقة قد وصلت إلى قمتها. اقتصاديا، المجتمع الإقطاعي المعتمد على نظام الوحدات الإدارية، استمر في عدة أجزاء من أوروبا. و هكذا، فإن نفس المجتمع الأوروبي أصبح ديموقراطيا بالنظر إلى الحياة الدينية و ملكيا بالنظر إلى الحياة السياسية و إقطاعيا بالنظر للحياة الاقتصادية.
علينا أيضا أن نوضح لماذا لم يتصف تطور التاريخ في غالبية عصور العهد القديم بهذا النمط من التطور المنفصل. في إسرائيل القديمة، كان تقدم العلوم بطئ للغاية. و عليه فإن الحياة الاقتصادية فيها لم تتطور، و التخصصات في المجتمع كانت بسيطة. لقد عاش الناس حياة بسيطة في ظل نظام اجتماعي كان الدين فيه جزءا متكاملا من حياتهم اليومية. مرتبطين بشدة بعلاقة السيد الخادم، و القوانين الموسوية الصارمة، كان عليهم طاعة الحاكم في المسائل السياسية و الدينية. في ذلك العصر لم يتقدم الدين، السياسة، و الاقتصاد بصورة منفصلة.
٧-٢-٣ المجتمع العشائري
لنتمعن في تقدم التاريخ بلغة الدين، السياسة، و الاقتصاد أثناء عصر العهد الجديد.
إن نزعة العقل الأصيل للاستجابة لعناية الله للرجعى و الإصلاح، تجلب معها انقسامات في المجتمع الذي مركزه الشيطان. كل الذين يتبعون إرادة الله يتم عزلهم بعيدا في هذه العملية، و ربما تجمعوا لتكوين مجتمع عشائري يقف بجانب الله. إن ميلاد المجتمعات العشائرية المسيحية قد سار على هذا النمط. بعد صلب يسوع وقفت الأمة اليهودية في جانب الشيطان، و لا يمكن لله أن يواصل عنايته للرجعى و الإصلاح في ذلك المجتمع و في تلك الظروف. و نتيجة لذلك، كسر الله طوق ذلك المجتمع، مناديا المؤمنين المخلصين للخروج منه لتأسيس مجتمع عشائري مسيحي.
في عصر العهد القديم، قاد أبناء يعقوب الاثنا عشر أهل بيتهم السبعين ليكونوا مجتمع إسرائيل العشائري و يبدأوا مسار العناية. و بالمثل، في عصر العهد الجديد قاد حواريو يسوع الاثنا عشر أتباعه السبعين ليكونوا المجتمع المسيحي العشائري مجتمع العشيرة المسيحية و يبدأوا عناية الله الجديدة. مجتمع العشيرة المسيحية يتألف من جماعات بدائية ليس لها نظام سياسي، أو اقتصادي، أو ربما لها نظام سياسي و اقتصادي بسيط. في هذه الفترة لا يتطور الدين و السياسة و الاقتصاد بصورة مستقلة.
رغما عن الاضطهاد الشديد، فإن مجتمع العشيرة المسيحية ازدهر تدريجيا داخل الإمبراطورية الرومانية حول منطقة البحر الأبيض المتوسط و تطور إلى مجتمع القبيلة المسيحية. اهتزت الإمبراطورية الرومانية بشدة بسبب الهجرة الجماعية للشعوب و التي بدأت في نهاية منتصف القرن الرابع الميلادي، إلى أن سقطت الإمبراطورية الرومانية الغربية في عام ٤٧٦م. و توسع المجتمع المسيحي بصورة كبيرة عندما اعتنقت الشعوب الجرمانية، التي هاجرت إلى هذا الإقليم، المسيحية.
٧-٢-٤ المجتمع الإقطاعي
مع تقدم التاريخ تطور المجتمع العشائري إلى مجتمع إقطاعي. ولد المجتمع الإقطاعي في أوروبا أثناء فترة سقوط الإمبراطورية الرومانية عندما غرقت السلطة الإمبراطورية في الفوضى. في هذا المجتمع، و في آخر الأمر لا بد من انقسام الدين، السياسة، و الاقتصاد، ليأخذ كل منهم مسارا منفصلا. في بواكير هذا المجتمع الإقطاعي، و بالتحديد وسط القبائل الجرمانية التي دخلت حديثا في المسيحية، كان الفلاحون الأحرار و المقاتلون يحكمون عن طريق الأمراء المحليين.
و القوة السياسية توزعت بين العديد من السادة، كل يحكم إقليمه في غياب أي سلطة قومية. و تطور المجتمع الإقطاعي في أوروبا تدريجيا نحو نظام سياسي يعتمد علاقة السيد-الخادم في كل مستوياته، حتى بين اللوردات في الرتب المختلفة و فرسانهم، و نظام الاكتفاء الذاتي في الاقتصاد ذي الوحدات الإدارية المنفصلة. بعد سقوط الإمبراطورية الكارولنجية انتشرت الإقطاعية الناضجة عبر أوروبا كلها. قسمت الأرض إلى عدة وحدات إدارية، لكل منها لورد إقطاعي يحكمها.
هؤلاء اللوردات مسئولون عن كل مظاهر الحياة في وحداتهم الإدارية، و لهم سلطة قضائية مطلقة. يقايض المزارعون أرضهم الخاصة للوردات الإقطاعيين أو للأديرة مقابل الحماية العسكرية، و تعاد إليهم «إقطاعة» كجزء من الإقطاعية. الفرسان أصحاب الأرض يتلقون مزرعة أو(عِزبة) من سادتهم الإقطاعيين مقابل أن يكونوا جنوداً خاصين لهم. بينما الفرسان الأقل رتبة ربما ينالون مزرعة صغيرة. كل ملك أو لورد عظيم يمتلك مئات أو آلاف من هذه الوحدات التي يقسمها إلى إقطاعات صغيرة لفرسانه. الملوك لهم سلطة محدودة، فهم ليسوا أكثر من لوردات إقطاعيين كبار.
تطورت الحياة الدينية في أوروبا، أثناء فترة قادة الكنيسة الإقليميين، على نفس النحو الذي نهجته الإقطاعية الأولى بنظام حياتها السياسي و الاقتصادي، و عليه يمكن تسميتها المسيحية الإقطاعية. البطاركة، رؤساء الأساقفة، و الأساقفة لديهم نفس وظائف كبار اللوردات، اللوردات المتوسطين، و صغار اللوردات على التوالي. و بما أن الملك هو واحد فقط من كبار اللوردات، فإن البابا هو أيضا واحد من البطاركة الخمسة. إن التركيبة الداخلية لكنيسة روما الكاثوليكية تم تأسيسها عبر هيئة كهنوتية صارمة تلتزم علاقات السيد الخادم. إن الأسقف أو الراهب له درجة اجتماعية و نفوذ يمكن مقارنته بذلك الذي للورد الإقطاعي. و هو يعمل كلورد لممتلكات كنيسته، و يمكنه هذا الوضع إذا استدعت الضرورة من إعداد جيش من منسوبيه و التابعين له.
بالنظر للحياة الاقتصادية، فإن هذه الفترة بدأت مع فترة الانتقال من مجتمع العبيد في روما القديمة إلى نظام الوحدات الإدارية. بعض الأراضي في هذه الفترة آلت ملكيتها إلى فلاحين أحرار. و بلغة السيطرة على الأرض، فإن وضع الناس في تلك الفترة يمكن تقسيمه إلى أربعة طبقات: النبلاء، الفلاحين الأحرار، الخدم و العبيد.
و بهذه الطريقة، و من بقايا رماد الإمبراطورية الرومانية أنشأ الله مجتمعا إقطاعيا من القبائل الجرمانية التي اعتنقت المسيحية حديثا و اختارهم الله لقيادة عنايته. و من خلال تقوية الوحدات الصغيرة التي تقع تحت سلطة الله في مجالات الدين، السياسة، و الاقتصاد، أرسى الله دعائم العمل الأساسي لإقامة ملكوته.
٧-٢-٥ المجتمع الملكي و الإمبريالية
مع تقدم التاريخ تطور المجتمع الإقطاعي إلى مجتمع ملكي. و لكن، سياسيا، كيف نشأ مجتمع أوروبا الملكي؟
إن الممالك التي بنتها الشعوب الجرمانية في أوروبا الغربية عاشت جميعا فترة قصيرة ما عدا مملكة الفرنجة. ملوك الفرنجة من سلالة ميروفنجي (Merovingian) تلقوا المسيحية و تشربوا بإرث الحضارة الرومانية ليكونوا العالم الجيرماني - الروماني في أوروبا الغربية. بعد أن فقد ملوك الميروفينجيان قوتهم، أصبح شارل مارتل هو الحاكم الحقيقي للفرنجة. حيث قام بتوسيع مملكته بهزيمته المور الذين غزوا من جهة الجنوب الغربي. و أصبح ابنه بيبين القصير أول ملك كارولنجي (Carolingian)، و هو والد شارلمان. فكر شارلمان بعمق في رواية القديس أوغسطين عن المملكة المسيحية. و جعل منها المبادئ الموجهة للمملكة. لقد وحدت إمبراطورية شارلمان كل من أوروبا الغربية و الوسطى، و حققت الاستقرار في أرض كانت سابقا مكان اضطرابات نتيجة الهجرة المكثفة.
في مجال الدين، فإن المسيحية الملكية، و التي جاءت بعد المسيحية الإقطاعية، كانت مملكة روحية تجاوزت حدود الدولة. تأسست تحت حكم البابا و على قاعدة مجيء المسيح. و في عام ٨٠٠م توج البابا ليو الثالث شارلمان إمبراطورا، و أعطاه بركة الكنيسة. و بهذا العمل أعطاه البابا المسئولية المركزية للعناية الإلهية. الإمبراطورية الروحية تحت سلطان البابا و مملكة الفرنجة تحت سلطة شارلمان اتحدتا و كونتا الإمبراطورية المسيحية.
إن فترة الإمبراطورية المسيحية تطابق فترة المملكة المتحدة في عصر العهد القديم. و في الحالتين جاء المجتمع الملكي بعد المجتمع الإقطاعي بهدف تثبيت سلطة أقوى و شعب أكبر و أقاليم أوسع في الجانب الإلهي. لقد شرحنا سابقا أن البابا كان يقود الكنيسة من مقام رئيس الملائكة من أجل تمهيد الطريق إلى مملكة أرضية. و لكن بعد تتويج الإمبراطور و إعطائه بركة الله،على البابا أن يخدمه من مقام قابيل (التطابق ٤). الإمبراطور في المقابل عليه التمسك بتعاليم البابوية و ينفذ العمل السياسي لتحقيق المملكة المناسبة لاستقبال المسيح. لو أنهم استطاعوا بهذه الطريقة بناء الإمبراطورية المسيحية باتساق مع إرادة الله، لأصبحت هذه الفترة هي الأيام الأخيرة من تاريخ الإنسان، و عندها يأتي المسيح، و تظهر الحقيقة الجديدة لحل مشاكل الدين و العلوم في سعي إنساني متكامل يوجه الدين، السياسة، و الاقتصاد للتطور في اتجاه واحد متحد معتمدا على القيم الإلهية. و على هذا الأساس، تكون القاعدة للمجيء الثاني للمسيح قد تحققت.
إضافة إلى أنه، و ببزوغ شمس الإمبراطورية المسيحية، كان يجب أن يصل الإقطاع إلى نهايته التامة. و لكن البابوات و الأباطرة انحرفوا عن إرادة الله. و هذا جعل من المستحيل تحقيق القيم التي أسسها شارلمان. و نتيجة لهذا لم يتم تفكيك المجتمع الإقطاعي، بل على العكس ازداد قوة في القرون التي تلت. و بقي الدين، السياسة، و الاقتصاد على انقسامهم. و ظهرت عدة صراعات بين الحين و الآخر بين المملكة الروحية – بقيادة البابا – و المملكة الأرضية بقيادة الملوك.
لقد فشلت الإمبراطورية المسيحية في بناء مملكة متحدة يأتي إليها المسيح. لقد بنى شارلمان إمبراطوريته عندما كانت قاعدة المجتمع الإقطاعي مواتية للاندماج في ملكية قوية. و لكنه أبدا لم يخضع تماما القوة الراسخة للوردات الإقطاع. بدلا عن ذلك قوِيَ النظام الإقطاعي، و تقلصت سلطة الإمبراطور الروماني المقدس إلى أحد كبار لوردات الإقطاع فقط. كان نظام الإقطاع سيسود أوروبا حتى بزوغ شمس الملكية المطلقة في القرن السابع عشر.
مع تدهور الإقطاعية في ذلك الوقت، فإن القوة السابقة التي كانت موزعة بين لوردات الإقطاع تحولت لتصبح مركزة في أيدي الملوك الذين يحكمون دولا ذات شعوب كثيرة. أصبح لدى الملوك قوة مطلقة. و قد برروا ذلك بنظرية الحق الإلهي للملوك. ازدهرت الملكية المطلقة حتى الثورة الفرنسية عام ١٧٨٩م.
في مجال التاريخ الديني، ما هي بعض الاتجاهات التي برزت في أثناء الفترة التي كانت فيها البابوية تقود الكنيسة، و كان لها تكوين ملكي؟ ابتعدت البابوية كثيرا عن إرادة الله و أصبح البابوات دنيويين. و ساروا في طريق الانحطاط الروحي. و بسبب الهزائم المتكررة في الحروب الصليبية، فقدت البابوية سلطتها. و أثناء فترة النفي في أفينون حرموا من القوة و الكرامة. و مع حركة الإصلاح البروتستانتي في عام ١٥١٧م لم تعد المسيحية الغربية مملكة روحية واحدة.
عندما نتمعن في نمو الحياة الاقتصادية، نجد أن ترتيبات النظام الاقتصادي الإقطاعي ظلت باقية حتى عندما تم استبدال السياسة الإقطاعية بالملكية المطلقة. نمت الرأسمالية في المدن و القرى، حيث وحد المنتجون و التجار قواهم مع الملوك و حاربوا ضد النظام الإقطاعي الخانق، و برزت بعض الترتيبات الزراعية الجديدة في الأرياف، حيث بحث المزارعون الأحرار عن مساعدة الملك لمقاومة حكم لوردات الإقطاع. و لكن لم تكن أي من هذه التغيرات الاقتصادية بقادرة على أن تحل مكان الإقطاعية، التي استمرت حتى الثورة الفرنسية .
في أثناء تقدم التاريخ الاقتصادي، جاءت الرأسمالية بعد الإقطاع، و ارتبطت الرأسمالية بعصر التوسع الاستعماري. و كما أن تماسك السلطة السياسية هو هدف الملكية المطلقة، فإن احتكار التمويل و رأس المال هو هدف الرأسماليين الأقوياء. نشأت الرأسمالية متزامنة مع نشأة الملكية المطلقة في القرن السابع عشر، و ازدهرت أثناء و بعد الثورة الصناعية. إن هدف الرأسمالية في العناية الإلهية هو دفع عملية تراكم رأس المال و تركيز النشاط الاقتصادي لدرجة مستحيلة تحت النظام الإقطاعي ، أما في الإمبريالية يكون التركيز أكبر و أعظم. توجه الإمبرياليون نحو توسيع المستعمرات التي بدأت في هذه الفترة، و هدف العناية من ذلك هو تأسيس قاعدة اقتصادية سياسية دينية عالمية.
هذا النقاش يتمحور في الإمبريالية الأوروبية لوحدها، لأن مسار العناية الإلهية للرجعى و الإصلاح يتركز في أوروبا الغربية.
التنافس بين دول أوروبا الغربية قاد إلى الاندفاع نحو المستعمرات على مستوى العالم قبل الحرب العالمية الأولى. الأمر الذي جعل كل العالم يدور داخل الحضارة المسيحية الغربية.
٧-٢-٦ الديموقراطية و الاشتراكية
عصر الملكية فتح الطريق أمام عصر الديموقراطية. إن هدف المجتمع الملكي، كما أسلفنا، هو بناء مملكة لدعم المسيح و حكمه. و لكن، و عندما لم يتحقق هذا التدبير أثناء الإمبراطورية المسيحية، بدأ الله عملية ستؤدي في النهاية إلى تمزيق المجتمعات الملكية و إنشاء الديموقراطيات في مكانها من أجل ابتداء عناية جديدة لبناء دولة قادرة على استقبال المسيح.
الديموقراطية قائمة على سلطة الشعب؛ إنها حكم الشعب للشعب بواسطة الشعب. إن هدفها هو تحطيم الاحتكار السياسي في الملكية، و الذي انحرف عن إرادة الله، و إنشاء نظام سياسي جديد قادر على إنجاز عناية الرجعى و الإصلاح، و بالتحديد استقبال و دعم المسيح كملك للملوك.
كيف يمكن للديموقراطية أن تنجز هدفها؟ مع انسياب حركة التاريخ، استنارت أرواح الناس بفضل ميزة العصر في العناية الإلهية للرجعى و الإصلاح. عقل الإنسان الأصيل يستجيب للعناية و يبحث عن الدين، و غالبا دون أن يعرف لماذا. في الختام سيتقبل الناس المسيحية التي أنشأها الله لتكون أعلى دين. و بهذه الطريقة، فإن عالم اليوم يتجمع ليشكل حضارة واحدة تعتمد على قيم المسيحية.
كلما اقترب التاريخ من نهايته، تنزع إرادة الناس نحو قيم المسيحية. الحكومات الديموقراطية، و التي تبقى برغبة شعوبها تصبح تدريجيا أكثر مسيحية. و هكذا عندما يعود المسيح إلى مجتمعات تحت حكم ديموقراطي مشبع بالروح المسيحية، فإنه يكون قادرا على تأسيس السلطة الإلهية في الأرض مع دعم قلبي كلي من الشعب، و هذا سيكون ملكوت الله على الأرض. نحتاج أن نفهم أن الديموقراطية ولدت لإضعاف احتكار الشيطان للسلطة من أجل تدبير الله النهائي في العناية، ليصلح، و بإرادة الشعب، سلطة إلهية تحت قيادة المسيح العائد. لقد أدت الحركات الديموقراطية، التي اندلعت ضد الملكية المستبدة في القرن السابع عشر و الثامن عشر، إلى نشوء ثورات في كل من بريطانيا، أمريكا و فرنسا. هذه الثورات دمرت المجتمعات الملكية، و أنجبت ديموقراطيات اليوم.
إن تقدم التاريخ في مجال الدين تطور إلى مرحلة المسيحية الديموقراطية، بعد تفكيك المسيحية الملكية بواسطة حركة الإصلاح البروتستانتي عام ١٥١٧م. من خلال الإصلاح، فإن القوى الديموقراطية داخل المسيحية فككت المملكة الروحية التي مارس من خلالها البابا السلطة المفردة.
إن رغبة الله الأصلية هي أن تتحد الإمبراطورية المسيحية مع المسيحية البابوية لبناء المملكة التي سيأتي فيها المسيح. و لكن عندما فشلت البابوية في مسئوليتها، تفككت المسيحية الملكية التي استمدوا منها قوتهم. و كانت تلك هي رسالة المسيحية الديموقراطية، تماما كما حطمت الديموقراطية السياسية السلطة الاستبدادية للملكية الدنيوية. و بناء على ذلك، و بعد إصلاحات البروتستانت، أصبح الطريق مفتوحا أمام الناس للبحث عن الله بحرية عبر قراءتهم الخاصة للكتاب المقدس، دون وساطة من القساوسة. أصبح الناس غير خاضعين لسيطرة الآخرين في حياتهم الدينية، بل يمكنهم أن يبحثوا بحرية عن وسيلة الإيمان الخاصة بهم.
بهذا خلقت المسيحية الديموقراطية بيئة اجتماعية تسمح لكل الناس بالبحث بكل حرية عن المسيح حين عودته، بغض النظر عن الطريقة التي قد يأتي بها.
و بالمثل مع تقدم تاريخ الاقتصاد، برزت القيم الاشتراكية التي تقوض الإمبريالية، و تشجع على شكل ديموقراطي للاقتصاد. بالرغم من أن بعض المؤرخين اعتبر الحرب العالمية الأولى كحرب بين الدول الإمبريالية على المستعمرات، لكن في الحقيقة، و بمجرد انتهاء الحرب، تعززت الديموقراطية و علا شأنها و بدأت في تقويض و رفض السياسة الاستعمارية، و بنهاية الحرب العالمية الثانية، بدأت القوى الكبرى في تحرير نفسها من مستعمراتها و تحرير الدول التي تحت سيطرتها. بعد سقوط الإمبريالية، بدأت الرأسمالية تتطور في شكل اقتصاد يشجع على رخاء عام و مشترك.
إنه من الطبيعي للعالم الشيطاني، و الذي وصل ذروته في الشيوعية، أن يحث على الاشتراكية. و ذلك لأن الشيطان يحاول دائما أن يحقق، قبل الله، تقليد ناقص و مَعِيب للخطة الإلهية. إن خطة الله هي تطوير اقتصاد اشتراكي، بشكل و محتوى مختلف تماما عن الاشتراكية التي حققتها الشيوعية فعلا.
بناء على نموذج الله في الخلق، منح الله كل إنسان نفس القيمة الأصلية. كما أن الآباء يحبون كل أطفالهم بالتساوي، فإن رغبة الله هي إعطاء بيئة جيدة و حالة معيشية جيدة و متساوية لكل أبنائه. إضافة إلى أنه، و في المجتمع المثالي، فإن الإنتاج، التوزيع، و الاستهلاك لهم نفس العلاقة العضوية التي توجد بين وظائف الهضم، الدورة الدموية و الأيض في جسم الإنسان. و هكذا يجب ألا يكون هنالك تنافس مدمر نتيجة للإنتاج الزائد، و لا حتى توزيع غير عادل يؤدي إلى زيادة التراكم و الاستهلاك، و التي هي معاكسة لهدف الخير العام. لا بد أن يكون هنالك إنتاج كافي للبضائع الهامة و المفيدة، و توزيع عادل و فعال لهذه البضائع، و استهلاك معقول ينسجم مع الهدف الكلي. و كما أن الكبد تمد جسم الإنسان بمواد غذائية احتياطية، فإنه لا بد من المحافظة على احتياطي مالي كافي لضمان التفاعل التام للاقتصاد الكلي.
بما أن الله قد خلق الناس لكي يعيشوا في مجتمع نموذجي، فإنهم سيسعون وراء قيم اشتراكية أثناء كفاحهم من أجل الحرية و الديموقراطية، و سيعززون البحث وصولا إلى طبيعتهم الأصلية. و هذا عمليا صحيح في نهاية تاريخ العناية الإلهية، عندما يمكن تحقيق هذا النموذج فعلا. و بما أن هذه الرغبة الطبيعية تنبع من دواخل الناس، فإن السياسة الديموقراطية، و التي تشكلها إرادة الناس، ستتحرك أيضا في ذلك الاتجاه. و في النهاية سيتأسس مجتمع اشتراكي يجسد نموذج الله.
المسيحيون الأوائل عاشوا وفق هذا النموذج بتقاسمهم لكل ما يملكون (أعمال ٤:٣٢-٣٥). إن يوتوبيا توماس مور و التي كتبها في القرن السادس عشر بإنجلترا، و اشتراكية روبرت أوين الإنسانية أثناء الثورة الصناعية في إنجلترا، كل منهما عبرت عن رؤية للنموذج الاشتراكي. الحركات الاشتراكية، البروتستانتية و الكاثوليكية، شاركت أيضا في هذه الرؤية. و مثال لذلك دفاع شارلس كينقسلي عن الاشتراكية المسيحية في إنجلترا في منتصف القرن التاسع عشر. إن النزعة نحو الاشتراكية نبعت من النبض الطبيعي للعقل الأصيل و هو يناضل من أجل نموذج الخلق المثالي.
٧-٢-٧ قيم التكافل، الرخاء المتبادل و القيم الكونية المشتركة مقابل الشيوعية
إن امتياز العصر في عناية الله للرجعى و الإصلاح عزز من تطور الطبيعة الأصلية في الإنسان، و التي لم تبرز في السابق بسبب استحواذ الشيطان على حياة الإنسان. استجابة لدافع القلب الداخلي، فإن الإنسان في كل مكان طمح بكل حماس لعالم الله النموذجي الذي يتحقق فيه هدف الخلق. و من خلال البحث عن مجتمع اشتراكي بجانب الله، وجَّه العقل الأصيل الناس إلى قيم التكافل، الرخاء المتبادل و القيم الكونية المشتركة. إن العالم الذي تتحقق فيه هذه القيم ما هو إلاّ ملكوت الله على الأرض، تحت قيادة المسيح العائد.
بما أن الشيطان يقلد عناية الله مقدما، فإن الجانب الشيطاني أيد و دافع عن «الاشتراكية العلمية» المبنية على نظريات الديالكتيك و المادية التاريخية، و بنى عليها العالم الشيوعي. إن نظرية المادية التاريخية تؤكد أن التاريخ البشري بدأ كمجتمع بدائي جماعي، و أنه سيختتم بخلق مجتمع شيوعي نموذجي.
من الأخطاء الواضحة في هذه النظرية، هو أنها لا تأخذ في حسبانها السبب الرئيسي لتطور التاريخ. بعد أن خلق الكائنات البشرية، وعد الله بتحقيق ملكوت السماء. و لكن، و بسبب تكوين الشيطان علاقة نسب مع الإنسان قبل أن يفعل الله، فقد سمح الله له ببناء عالم منحرف، مستعينا بالناس الهابطين، كتقليد مشوه للمجتمع النموذجي الذي عزم الله على إنجازه في الأرض. إن العالم الشيوعي هو ذلك العالم المنحرف الذي بناه الشيطان.
لقد برز نوعان من الديموقراطية بهدف تفكيك الملكية الاستبدادية و نقل السلطة للشعب. مثل الحركات التي عززت من قيم التكافل و الرخاء المتبادل و القيم الكونية المشتركة، قد برزت في الجانب الإلهي. بينما ولدت الشيوعية في الجانب الشيطاني من أجل وضع حد للأنظمة الاقتصادية التي تركز ثروة المجتمع في أيدي قلة موسرة. كل من هاتين الحركتين بحثتا عن تأسيس نظام يوزع الثروة بصورة متساوية بين الناس. إن الطموحات نحو الاشتراكية في كلا الجانبين أيقظت فيهما نضالا لتحقيق مجتمع مؤسس على نظام اقتصادي ديموقراطي حقيقي.
لقد أوضحنا سابقا في تاريخ أوروبا الغربية، و الذي تحركه عناية الله للرجعى و الإصلاح، تقدم المظاهر الثلاثة: الدين و السياسة و الاقتصاد، منفصلين، كل عبر مساره الخاص للتطور. فكيف يمكن لهذه المظاهر الثلاثة أن تلتقي في نقطة واحدة في ختام تاريخ العناية لوضع القاعدة للمجيء الثاني للمسيح؟
إن السبب الرئيسي في هذا التطور المنفصل هو اختلاف الدين و العلوم و اللذين هما محاولة للتغلب على جهل الإنسان الروحي و المادي. لكي تتجمع مسارات الدين، السياسة و الاقتصاد و تحقق نموذج الله، لا بد أن يبرز تعبير جديد عن الحقيقة قادر على جعل الدين و العلوم يتكاملان تماما. إن الدين الذي يتم تأسيسه على هذه الحقيقة سيقود كل الإنسانية لتصبح واحدة مع الله بقلبها. مثل هؤلاء الناس سيبنون اقتصادا يتسق مع النموذج الإلهي. و هذه ستكون قاعدة لنظام سياسي جديد يمكنه أن يحقق نموذج الخلق. و هذه ستكون مملكة المسيح التي يتم بناءها على مبادئ التكافل، الرخاء المتبادل و القيم الكونية المشتركة.
- الباب الأول. فترة العبودية في مصر و فترة الاضطهاد في الإمبراطورية الرومانية
- الباب الثاني. فترة القضاة و فترة القيادة الإقليمية للكنيسة
- الباب الثالث. فترة المملكة المتحدة و فترة الإمبراطورية المسيحية
- الباب الرابع. فترة المملكة المنقسمة الشمالية و الجنوبية و فترة المملكة المنقسمة الشرقية و الغربية
- الباب الخامس. فترة نفي اليهود و عودتهم و فترة نفي البابا و عودته
- الباب السادس. فترة الإعداد لمجيء المسيح و فترة الإعداد للمجيء الثاني للمسيح
- الباب السابع. عناية الرجعى و الإصلاح و تقدم التاريخ