دراسة الناموس وممارسته
إشاراتي المرجعية

لا توجد لديك إشارات مرجعية بعد.

الباب الأول. الخلاص عبر الصليب

١‎-‎١ الهدف من مجيء يسوع المسيح

لقد جاء يسوع المسيح بهدف إكمال خلاص الإنسانية، ولتحقيق الغرض من العناية الإلهية للرجعى والإصلاح. كان على يسوع اولاً تأسيس ملكوت الله على الأرض. ويمكن ان نستدل على ذلك من تعاليم يسوع نفسه لحوارييه «فكونوا انتم كاملين كما ان اباكم الذي في السموات هو كامل» (متى ٥‎:‎٤٨) بناء على ناموس الخلق، فإن الإنسان الذي حقق هدف الخلق لا يمكن ان يرتكب خطيئة، لأنه منسجم مع الله ويمتلك طبيعة إلهية.

ومثل هذا الإنسان كامل مثل ابينا الذي في السماء. بمثل هذه التعاليم كان يسوع يتحدث الى حوارييه آملاً ان تتم استعادتهم كأناس حققوا هدف الخلق واصبحوا من مواطني الملكوت. إضافة الى ان يسوع علم الناس ان يصلوا الى الله لتكون مشيئته على الارض كما هي في السماء لأنه جاء ليجدد انتماء الإنسانية الهابطة لملكوت السماء ويبني هذا الملكوت على الأرض. ولقد حث يسوع قائ ً «توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات» (متى ٤‎:‎١٧). ولهذا السبب ايضاً كان يوحنا المعمدان الذي جاء لإعداد الطريق للرب، يعلن عن قرب مجيء الملكوت (متى ٣‎:‎٢).

كيف سيكون الناس لو تم إصلاحهم كأناس حققوا هدف الخلق واصبحوا كاملين مثل ابينا الذي في السماء؟ مثل هؤلاء الناس سيتناغمون مع الله ويجربوا حب الله في دواخل انفسهم. إنهم يمتلكون طبيعة إلهية ويعيشون حياتهم مع الله، دون اي فاصل او حاجز. إضافة الى انه لا توجد عندهم خطيئة اولى. وعليه ليسوا بحاجة الى فداء او مخلص. انهم ليسوا بحاجة الى صلوات شاقة او التدرب على الإيمان اللتين يحتاج إليهما الإنسان الهابط في بحثه عن الله. إضافة الى ان ابناءهم يولدون طبيعياً خيرين، لأن آباءهم ليس لديهم خطيئة اولى. وليسوا بحاجة الى مخّلص لتخليصهم من خطاياهم.

١‎-‎٢ هل اكتمل الخلاص عبر الصليب

هل صلب المسيح، والذي اتاح الخلاص لنا من خطايانا، قد حقق هدف عناية الله للرجعى والإصلاح؟ إذا حدث هذا فإننا نتوقع من المؤمنين بيسوع ان يكونوا قد استعادوا طبيتعهم الأصلية وبنوا ملكوت الله على الارض. ولكن في كل تاريخ المسيحية لا يوجد احد، مهما كانت درجة ورعه، عاش حياته بصورة موحدة مع الله غير منفصل عنه. لا يوجد اي فرد اختبر حب الله بكل قوته او امتلك طبيعة إلهية. لا يوجد احد من المؤمينن ليس بحاجة الى خلاص او حياة مليئة بالصلاة والورع. حتى القديس بولس، رجل الله العظيم، لم يكن ليستغني عن حياة الإيمان والصلوات (رومية ٧‎:‎١٨‎-‎٢٥). إضافة الى انه لا يوجد اب مسيحي مهما كانت درجة ورعه، ولد اولاداً ليس بهم خطيئة اولى، ليتمكنوا من دخول الملكوت دون حاجة الى نعمة الفداء. لقد استمر الآباء المسيحيون في نقل الخطيئة الأولى لابنائهم.

ما الذي يمكن ان نتعلمه من هذا العرض البالغ الوضوح للحياة المسيحية؟ إنه يعلمنا ان نعمة الفداء بالصليب لم تنجح تماماً في استئصال الخطيئة الأولى، ولم تتمكن من إرجاعنا الى طبيعتنا الاصلية الكاملة. ولأن يسوع كان يعلم ان الخلاص الذي تحقق عن طريق الصليب لا يحقق تماماً الهدف الذي جاء من اجله فقد وعد بأنه سيعود مرة اخرى. لقد ادرك يسوع ان استعادة الله للملكوت على الارض امر مطلق وثابت لا يتغير. وعليه كان يسوع يأمل ان يعود لإتمام تحقيق إرادة الله.

هل كانت تضحية يسوع على الصليب غير ذات أهمية؟ بالطبع لا (يوحنا ٣‎:‎١٦). فلو كانت كذلك لما كان للمسيحية هذا التاريخ الرائع. إضافة الى ان التجربة الإيمانية الذاتية توضح لنا أهمية نعمة الفداء بالصليب. حقاً لقد خلصنا الصليب من خطايانا، ولكن بنفس القدر من الحق لم يتم تخليصنا من الخطيئة الأولى. لم يعيدنا الى حالة كمال طبيعتنا الأصلية التي عندها لن نرتكب اي خطيئة، ولم يمكننا من تأسيس ملكوت الله على الارض.

ما هو التقييم الصحيح لمدى الخلاص الذي تحقق عبر الصليب؟ ما لم تتم الإجابة على هذا السؤال، فإنه من الصعب على إنسان العصر الحديث ان يوجه إيمانه توجيهاً سليماً. اولاً، لابد لنا من إعادة النظر في موت يسوع على الصليب.

١‎-‎٣ موت يسوع على الصليب

هل موت يسوع على الصليب هو ما كان يريده الله حقاً؟ لنختبر اولاً كلمات وافعال الحواريين كما هي مسجلة في الإنجيل.

هنالك شعور واحد واضح متفق عليه بين الحواريين حول وفاة يسوع. لقد أصابهم الحزن والسخط. فمثلاً استيفن الذي كان يحترق من السخط على جهل وعدم إيمان قادة اليهود، قد أدان أفعالهم، وناداهم بالقتلة والعصاة (أعمال ٧‎:‎٥١‎-‎٥٣). ومنذ ذلك اليوم وبصورة عامة احس المسيحيون بنفس إحساس حواريي يسوع. إذا كانت وفاة يسوع نتاج مقدر سلفاً لتحقيق إرادة الله، فإن من الطبيعي أن يحزن الحواريون لذلك، وأن لا يحسوا ابداً بالحقد المرير لحدوثه، ولا حتى بالغضب على قادة اليهود الذين تسببوا فيه. ونستطيع ان نستنج من هذا الإنفعال المرير ان وفاة يسوع امر غير عادي، ولم يحن وقته.

ثم ثانياً، لننظر من وجهة نظر العناية الإلهية، ما إذا كان صلب يسوع امر حتمي وإرادة إلهية مقدرة.

لقد اختار الله الشعب المختار من نسل ابراهيم. وقد حماهم ورعاهم وفي بعض الأوقات ادبهم بالمحن والإختبارات. ارسل الله انبياء لمواساة الشعب المختار واعداً إياهم بوعود صادقة انه سيرسل إليهم في يوم من الأيام المسيح. لقد اعدهم لإستقبال المسيح وطلب منهم بناء خيمة الإجتماع والهيكل. عندما ولد يسوع، اعلن عن قدومه. ارسل حكماء الشرق الثلاثة، وايضاً سيمون، حنا، يوحنا المعمدان وآخرين ليشهدوا له امام الجميع.

فيما يخص يوحنا المعمدان، فقد عرف الكثير من الناس ان ملاكاً قد ظهر وبشر بميلاده (لوقا ١‎:‎١٣). إن المعجزات التي دارت حول مولده انتشرت في كل اليهودية (لوقا ١‎:‎٦٣‎-‎٦٦). إضافة الى ان حياة الزهد التي اتبعها يوحنا في البرية كانت مثيرة للإعجاز لدرجة ان الكثيرين سألوا انفسهم ما إذا كان هو المسيح (لوقا ٣‎:‎١٥). إن هدف الله من إرسال شخص بهذه العظمة مثل يوحنا المعمدان ليشهد ليسوع بأنه المسيح كان لتشجيع الشعب اليهودي في ذلك الوقت ليؤمن بأن يسوع هو مخلصه، والشعب اليهودي الذي دربه الله ليعيش وفق ارادته يجب عليه الإيمان به.

لو أنهم آمنوا به حسب رغبة الله، هل كانوا سيفكرون حتى في إرساله للصليب؟ هل كانوا سيرغبون بإصابة المسيح، الذي انتظروه بشوق لزمن طويل، بأي أذى؟ ولكن لأنهم ساروا في اتجاه معاكس لأرادة الله ولم يؤمنوا بأن يسوع هو المسيح، فإنه سلم ليصلب. لذلك علينا ان ندرك ان يسوع لم يأتِ ليموت على الصليب.

بعد ذلك لننظر في أقوال يسوع نفسه وأعماله لنتأكد ما إذا كان صلبه هو الطريق لإكمال تحقيق رسالته كمخلص.

إن كلمات وافعال يسوع قصد منها إحداث إعتقاد لدى الشعب بأنه هو المسيح. فمثلاً عندما سأله الناس ماذا نفعل حتى نعمل أعمال الله، اجاب يسوع: هذا هو عمل الله، ان تؤمنوا بالذي هو ارسله (يوحنا ٦‎:‎٢٩) في احد الأيام عندما كان يتحسر على عدم إيمان الفريسيين وعلى عدم وجود من يشاطره احزان قلبه، نظر يسوع الى مدينة اورشليم بحزن، لقد بكى وهو يتفجع على الشعب اليهودي، الذي قاده الله بكل حب واجتهاد خلال الألفي سنة الماضية. وتنبأ يسوع بأن المدينة ستدمر تماماً حتى لا يبقى حجر في مكانه. واشار بوضوح الى جهل الشعب قائلاً: «لأنك لم تعرفي وقت افتقاد الله لك» (لوقا ١٩‎:‎٤٤).

وفي مناسبة اخرى تفجّع يسوع على عناد وعدم إيمان الشعب في اورشليم قائ ً: يا اورشليم يا اورشليم، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين، إليها كم مرة اردت ان اجمع اولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحها ولم تريدوا- متى ٢٣‎-‎٣٧ وبّخ يسوع الشعب الذي رفض الإيمان به، رغم انهم اطلعوا على الكتاب المقدس الذي يشهد له: فتشوا الكتب لأنكم تظنون ان لكم فيها حياة ابدية، وهي التي تشهد لي، ولا تريدون ان تأتوا لتكون لكم حياة (يوحنا ٥‎:‎٣٩‎-‎٤٠) انا اتيت بإسم ابي ولستم تقبلونني.... لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني، لانه هو كتب عني (يوحنا ٤٣‎:‎٥‎-‎٤٦)

كم من المعجزات والإشارات قام بها يسوع في مجهوده اليائس لثني الشعب عن عدم إيمانه وحتى وهم يشاهدون افعال يسوع المدهشة، سخر منه القادة الدينيون وقالوا ان به مس من بعلزبول رئيس الشياطين (متي ١٢‎:‎٢٤). وفي وسط هذه الاوضاع اليائسة صاح يسوع: فإن كنتم لا تصدّقوني أنا فصدّقوا تلك الأعمال، عندئذٍ تعرفون أن الأب فيّ وأنا فيه (يوحنا ١٠‎:‎٣٨) وبتحد لمعارضيه شجب بمرارة نفاقهم (متي ٢٣‎:‎١٣‎-‎٣٦). من خلال اقواله وافعاله حاول يسوع إقناع الشعب للإيمان به، لأن ارادة الله ان يفعلوا ذلك. لو انهم تبعوا ارادة الله وآمنوا بيسوع كمخلص لهم، فمن من بينهم يجرؤ على إرساله للصليب؟

من كل الدلائل السابقة يمكننا استنتاج انّ وفاة يسوع على الصليب هي نتاج مؤسف لجهل وعدم ايمان الشعب في ذلك الوقت، وانه مسار غير ضروري لإكمال تحقيق رسالته كمسيح. وهذا ما يتضح بجلاء في كلمات يسوع الأخيرة على الصليب: يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون (لوقا ٢٣‎:‎٣٤)

إذا كان قضاء الله المسبق ان يموت يسوع على الصليب، فإن يسوع كان سيقبل السير في هذا الطريق كواجب مقرر عليه. لماذا إذن صلى ثلاث مرات «يا ابتاه ان امكن فلتعبر عني هذه الكأس ولكن ليس كما اريد انا، بل كما تريد انت» (متي ٢٦‎:‎٣٩). في الحقيقة صلى يسوع هذه الصلاة اليائسة لأنه يعرف ان موته سوف يحطم أمل تحقيق مملكة الله في الأرض. سيكون هذا خيبة أمل مأساوية بالنسبة لله، و الذي عمل بمشقة بالغة لتحقيق هذا الأمل عبر العصور الطويلة منذ هبوط الإنسان. إضافة الى ان يسوع يعلم ان آلام الإنسانية ستستمر دون علاج حتى وقت مجيئه الثاني.

قال يسوع «وكما رفع موسى الحية في البرية، هكذا ينبغي ان يرفع ابن الإنسان» (يوحنا ٣‎:‎١٤). عندما فقد الإسرائليون إيمانهم بموسى في الطريق الى كنعان، ظهر ثعبان ناري وبدأ يلتهمهم. عندها امر الله موسى ان يصنع ثعباناً من البرونز ويضعه فوق العمود بحيث ان كل من ينظر الى هذا الثعبان سينجو (عدد ٢١‎:‎٤‎-‎٩). وبالمثل لقد تنبأ يسوع انه وبسبب فشل اليهود في الإيمان به، فإن البشرية ستودع في الجحيم. وقد تنبأ ايضاً بأنه سيصلب مثل الثعبان البرونزي لأجل خلاص كل البشرية، معطياً الخلاص لكل من ينظر إليه. ولتأكده من حتمية حدوث هذه النبوءات القاسية فإنه عبر عنها بقلب حزين.

هنالك مؤشر آخر يدل على ان موت يسوع في الصليب ليس هو إرادة الله، ولكنه بسبب عدم ايمان الشعب، وهو تدهور اسرائيل بعد صلب يسوع (لوقا ١٩‎:‎٤٤). علاوة على هذا كانت هنالك نبوءة تتحدث عن مجيء يسوع وجلوسه على عرش داوود لتأسيس مملكة ابدية. لانه يولد لنا ولد، ونعطي ابنا؛ وتكون الرئاسة على كتفه، ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً اباً ابدياً رئيس السلام. لنمو رئاسته وللسلام لا نهاية، على كرسي داوود، وعلى مملكته، ليؤسسها ويعضدها بالحق والبر من الآن و الى الأبد. حماسة رب الجنود تصنع هذا (إشعياء ٩‎:‎٦‎-‎٧) لقد ظهر الملاك لمريم قبل حملها بيسوع وقدم نبوءة مشابهة: وها انت ستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع. هذا يكون عظيماً، وابن العلي يدعى، ويعطيه الرب الإله كرسي داوود ابيه، ويملك على بيت يعقوب الى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية (لوقا ١‎:‎٣١‎-‎٣٣)

إن هدف الله الواضح لشعب اسرائيل المختار، والذي قاده عبر شتى انواع الصعاب، منذ عصر ابراهيم، هو ان يرسل له المسيح ويبني مملكة ابدية على الارض. ولكن منذ أن اضطهد قادة الشعب يسوع وسلموه للصليب، فقدت اسرائيل المؤهلات التي تجعل منها الأمة المؤسسة لملكوت الله. وبعد عدة أجيال تبعثر ابناء اسرائيل على وجه الارض. ومنذ ذلك الحين عانوا الكثير من الإضطهاد والمهانة. ويمكن النظر الى هذا على انه نتيجة مأساوية للخطأ الذي ارتكبه اسلافهم عندما ادانوا المسيح حتى الموت، في الوقت الذي كان عليهم تمجيده، وعليه منعوا إتمام العناية الإلهية للرجعى والإصلاح. إضافة الى انه، ليس اليهود وحدهم، ولكن ايضاً الكثير من المسيحيين المؤمنين تحملوا مسئوليتهم تجاه الصليب كجزء من الخطيئة الجماعية لقتل يسوع.

١‎-‎٤ مدى الخلاص الذي حققه الفداء بالصليب والهدف من المجيء الثاني ليسوع

ماذا كان سيحدث لو ان يسوع لم يصلب؟ كان يسوع سيحقق كلاً من الخلاص الروحي والجسدي. وكان سيتمكن بالتأكيد من تأسيس ملكوت الله الأبدي على الارض. كل ذلك قد تنبأ به النبي إشعياء، وأعلنه الملاك الذي ظهر لمريم، وعبر عنه يسوع نفسه عندما اعلن عن اقتراب ملكوت الله (إشعياء ٩‎:‎٦‎-‎٧، لوقا ١‎:‎٣١‎-‎٣٣، متى ٤‎:‎١٧).

عندما خلق الله الإنسان «وجبل الرب الإله آدم تراباً من الارض، ونفخ في انفه نسمة حياة، وصار آدم نفساً حياً» (تكوين ٢‎:‎٧). وهكذا تم خلق الكائنات البشرية من روح و جسد. هبوطهم ايضاً كان روحياً وجسدياً.

وبما ان يسوع جاء لتحقيق الخلاص التام، فإنه مسئول عن تحقيقه على المستويين الروحي والجسدي. الإيمان بيسوع يعني التوحد معه. وعليه شبه يسوع نفسه بالكرمة الحقيقية وشبه حوارييه بفروعها (يوحنا ١٥‎:‎٥). وقال ايضاً «في ذلك اليوم تعلمون اني انا في ابي، وانتم فيّ، وانا فيكم» (يوحنا ١٤‎:‎٢٠). فمن اجل خلاص الإنسان الهابط جسدياً وروحياً لابد ان يأتي يسوع بالجسد. لو آمن الشعب بيسوع واتحد معه روحياً وجسدياً لحصل على الخلاص الروحي والجسدي معاً، ولكن لم يؤمن الشعب بيسوع، وبدلاً من ذلك ارسلوه للصليب. وتعرض جسد يسوع لإعتداء الشيطان وقتل. وعليه حتى لو اتحد المسيحيون المؤمنون مع يسوع فإن اجسادهم تبقى عرضة لاعتداء الشيطان، مثلما حدث لجسد يسوع.

عليه فإنه ومهما كان مدى ورع المؤمن، فإنه لا يمكنه ادعاء حصوله على الخلاص الجسدي من خلال الفداء بالصليب الذي قدمه يسوع. لأن خطيئته الاولى والتي جاءت عبر السلالة من آدم، لم تتم إزالتها من جذورها. ان اكثر المسيحيين ورعاً ما زال يحمل الخطيئة الأولى، وما زال ينجب اطفالاً يحملون هذه الخطيئة الأولى. في حياة الإيمان الشخصية يحس الإنسان انه من الضروري ان يكبح وينكر شهوات جسده في محاولتنا منع تدخل الشيطان، الذي يحاول دائماً إلقاءنا في شباكه عبر اجسادنا. لقد قيل لنا ان نصلي بإستمرار (تسالونيكي الأولى ٥‎:‎١٧) آملين في إزالة الشروط التي يستطيع الشيطان من خلالها ان يهاجمنا. هذه الشروط تنبع من الخطيئة الأولى، والتي لم تتم إزالتها رغم الخلاص الذي حققه الفداء بالصليب.

لم يستطع يسوع تحقيق هدف الخلاص التام، الروحي والمادي معاً، لأن جسده اعتدى عليه الشيطان. ولكنه وضع قاعدة الخلاص الروحي بتأمينه قاعدة النصر التي حققها بعثه عبر فداء دمه على الصليب. ونتيجة لذلك حصل كل المؤمنين، ومنذ بعثه، على مزايا الخلاص الروحي، وليس الخلاص الجسدي.

إن الخلاص الذي تحقق من فداء الصليب هو خلاص روحي فقط. وبقيت الخطيئة الأولى نشطة في الجسد، وحتى اكثر المسيحيين ورعاً ما زال يحمل هذه الخطيئة الاولى وينقلها الى احفاده عبر السلالة. كلما كانت عقيدة المؤمن متقدة، كلما كان عليه ان يقابل بشراسة اكبر الخطيئة التي بداخله.

حتى القديس بولس، اكثر الحواريين ورعاً، تحسر على عدم قدرته على منع الخطيئة من ان تنتشر في جسده: فإني اسير بناموس الله بحسب الإنسان الباطن ولكني ارى ناموساً آخر في اعضائي يحارب ناموس ذهني ويسبيني الى ناموس الخطيئة الكائن في اعضائي. ويحي انا الإنسان الشقي، من ينقذني من جسد الموت هذا. اشكر الله يسوع المسيح ربنا، إذاً انا بنفسي اخدم ناموس الله ولكن بالجسد أخدم ناموس الخطيئة (رومية ٧‎:‎٢٢‎-‎٢٥) هذه الإفادة تغاير النعيم الذي احس به بولس بِتلقى الخلاص الروحي مع الأسى الذي احسه لأنه لم يكن قادراً على الحصول على الخلاص الجسدي. واعترف يوحنا ايضاً: إن قلنا انه ليس لنا خطيئة نضل انفسنا، وليس الحق فينا.... ان قلنا اننا لم نخطيء، نجعله كاذباً، وكلمته فينا (يوحنا الاولى ١‎:‎٨‎-‎١٠) نحن الذين تلقينا الخلاص اعتماداً على صلب يسوع لا نستطيع ان نحل انفسنا من سلالة الخطيئة الاولى، بسبب الخطيئة الاولى التي لا تزال نشطة في دواخلنا. وعليه لإستئصال الخطيئة الاولى، والتي لم يزلها الصليب، ولإتمام طريق الخلاص الجسدي، لابد من عودة يسوع مرة اخرى على الارض. عندها فقط يتم تحقيق عمل الله من اجل الخلاص على المستويين الروحي والجسدي.

١‎-‎٥ نبوءتان عن الصليب

إذا كانت وفاة يسوع على الصليب ليست قضاءاً إلهياً مقرراً لإتمام تحقيق هدفه كمسيح، لماذا تنبأ إشعياء ان المسيح سيعاني من محنة الصليب؟ (إشعياء ٥٣)

قد نعتقد ان الكتاب المقدس يحتوي فقط على نبوءات تتنبأ عن معاناة يسوع، ولكن عندما نقرأ الكتاب المقدس مرة اخرى بعد تعرفنا على الناموس الإلهي فسيتأكد لدينا ان هنالك نبوءات اخرى على نقيض تلك النبوءة. مثل نبوءة إشعياء (إشعياء ٩، ١١، ٦٠)، وما اعلنه الملاك لمريم (لوقا ١‎:‎٣١‎-‎٣٣)، بأن يسوع سيصبح ملكاً على اليهود في حياته ويؤسس مملكة الله الابدية على الأرض. والآن لنبحث لماذا اعطى الله نوعين من النبواءت المتناقضة عن يسوع.

خلق الله الكائنات البشرية لتصل الى الكمال عبر إنجاز نصيبها من المسئولية (ناموس الخلق ٥‎-‎٢‎-‎٢). وفي الحقيقة فإن سلفي الإنسانية الأولين لم ينجزا نصيبهما من المسئولية وهبطا. وعليه اصبح للبشرية إمكانية إنجاز مسئوليتهما باتساق مع ارادة الله او الفشل في إنجاز هذه المسئولية ضد إرادة الله.

لنأخذ بعض الأمثلة من الكتاب المقدس، ان نصيب آدم من المسئولية هو ألا يأكل من ثمرة شجرة معرفة الخير والشر. فهو إما ان يطيع الامر الإلهي ويصل الى الكمال، او يأكل من الثمرة ويموت. فاختار الأخيرة.

في فترة العهد القديم اعطى الله الوصايا العشر وقوانين موسى التي كان على الشعب طاعتها كشرط للخلاص. ونصيبهم من المسئولية يكمن في طاعة هذه الوصايا ليحصلوا على الخلاص او عصيانه الذي سيقودهم للدمار (تثنية ٣٠‎:‎١٥‎-‎٢٠).

بالنسبة للإسرائيليين الذين تركوا مصر في إتجاه كنعان، كانت مسئوليتهم هي إطاعة اوامر موسى. فإما ان يتجاوبوا مع توجيهات موسى ويدخلوا أرض كنعان، أو أن يثوروا عليه ولا يدخلوا ارض الميعاد. في الحقيقة انبأ الله بأنه سيوجه الاسرائيليين الى ارض كنعان (خروج ٣‎:‎٨)، و أمر موسى بقيادتهم الى هناك. ولكن و بسبب عدم إيمانهم، هلك الشعب في البرية، تاركين احفادهم فقط ليصلوا الى نهاية المطاف.

وعليه فإن البشر لديهم نصيب من المسئولية، فإما ان ينجزوها بإتساق مع ارادة الله، او ان يفشلوا في إنجازها ضد تلك الإرادة. وطبيعة الثمر الناتج عن ذلك تعتمد على ما إذا كانوا قد أنجزوا نصيبهم من المسئولية ام لا، ولهذا السبب اعطى الله نوعين من النبواءت فيما يتعلق بإنجاز إرادته.

إن إرسال المسيح هو نصيب الله من المسئولية، ولكن الإيمان بالمسيح هو نصيب الإنسان من المسئولية. والشعب اليهودي يمكنه إما ان يؤمن بالمسيح كما يتمنى الله، او لا يؤمن به معارضاً رغبة الله. وبسبب ان للإنسان مسئولية تتعدد بها الإحتمالات، اعطى الله نوعين من النبواءت فيما يتعلق بإنجاز مهمته عبر يسوع. إحدى هذه النبوءات تحدثت عن ان يسوع سيموت بسبب عدم إيمان الشعب (إشعياء ٥٣)، والأخرى تنبأت بأن الشعب سيؤمن ويمجد يسوع كمسيح ويساعده لتحقيق إرادة الله بكل مجد (إشعياء ٩، ١١، ٦٠، لوقا ١‎:‎٣١). عندما مات يسوع على الصليب بسبب عدم إيمان الشعب، تحققت فقط النبوءة من النوع الأول. اما النبوءة من النوع الثاني فبقيت غير محققة في انتظار المجيء الثاني ليسوع.

١‎-‎٦ مقاطع الكتاب المقدس التي تحدث فيها يسوع عن صلب وكأنه ضرورة

هنالك عدة فقرات في الكتاب المقدس تحدث فيها يسوع عن معاناته على الصليب وكأنها مسألة ضرورية للخلاص. فمثلاً، عندما سمع بطرس يسوع يتنبأ بصلبه الوشيك الحدوث وحاول إثنائه عن ذلك، وبخه يسوع قائلاً: « إذهب عني يا شيطان، أنت عقبة أمامي» (متى ١٦‎:‎٢٣). لماذا عاقب يسوع بطرس بهذه القسوة؟ في الحقيقة عندما تحدث يسوع بهذه الكلمات كان محبطاً أشد الإحباط من عدم إيمان الشعب المختار، ومن عدم تمكنه من إكمال العناية الإلهية للخلاص على المستويين الجسدي والروحي. في هذا الوقت قرر يسوع ان يقبل مصير الموت على الصليب (لوقا ٩‎:‎٣١) كشرط للكفارة فاتحاً الطريق بذلك على الأقل للخلاص الروحي للبشرية. إن محاولة بطرس لإثناء يسوع كانت ستعيق يسوع من مهمة تمهيد الطريق للخلاص الروحي عبر الصليب. لهذا السبب وبخه يسوع.

مثال آخر، كلمات يسوع الأخيرة على الصليب «قد أُكمِل» (يوحنا ١٩‎:‎٣٠). لم يكن يسوع يعني بهذه الكلمات انه من خلال الصليب قد تمكن من إنجاز عناية الإصلاح تماماً. بعد ان تأكد له ان حالة عدم إيمان الشعب لا يمكن تغييرها، اختار طريق الصليب ليضع قاعدة الخلاص الروحي، تاركاً مهمة الخلاص الجسدي غير منجزة حتى وقت عودته. وعليه بكلمة «قد أُكمِل» فإن يسوع كان يعني انه قد اتم وضع قاعدة الخلاص الروحي. في هذا الوقت أصبح الخلاص الروحي الهدف البديل للعناية الإلهية.

لكي يكون لدينا إيمان سليم، لابد ان تكون لدينا علاقة مباشرة مع الله عبر التجارب الروحية في الصلاة، وبعد ذلك نفهم الحقيقة عبر القراءة الصحيحة للكتاب المقدس. لهذا السبب طلب منا يسوع ان نعبد الله (بالروح والحق) (يوحنا ٤‎:‎٢٤).

منذ ايام يسوع، اعتقد المسيحيون ان يسوع جاء الى هذا العالم ليموت على الصليب. لم يعرفوا السبب الرئيسي الذي جاء من اجله يسوع الى العالم كمسيح، ولم يفهموا الخلاص الروحي الذي اتاحه لنا، معتقدين انه ادى كل مستلزمات مهمته. اراد يسوع ان يعيش ليحقق هدفه، ولكن وبسبب عدم إيمان الشعب به، مات وقلبه مليء بالإحباط والحسرة. في هذا العصر لابد من ظهور العرائس المؤمنات على الارض- مؤمنين انقياء القلوب- ليلطفوا من مرارة الاسى في قلب يسوع. لابد من ظهور العرائس اللاتي يمجدن رغبات قلب يسوع قبل عودة يسوع كعريس. ولذلك تفجّع يسوع قائلاً: «ولكن متى جاء ابن الإنسان، ألعله يجد الايمان على الارض؟» (لوقا ١٨‎:‎٨). لأنه كان يدرك انه حين يعود سيكون الناس في ظلام.

لقد اوضحنا من خلال دراسة الكتاب المقدس ان يسوع لم يأت ليموت على الصليب. ويمكننا ان نؤكد هذه الحقيقة بوضوح اكثر اذا اتصلنا بيسوع روحياً وسألناه مباشرة. وإذا كنا لا نستطيع إدراك الحقائق الروحية، فإننا يجب ان نبحث عن شهادة من منحوا هذه القدرات لأجل ان نفهم قلب يسوع حقيقة ونعمق من إيماننا. عندها فقط نستحق ان نكون عرائس ليسوع الذي سيأتي في الأيام الأخيرة.