الباب الثاني. عناية الله في البعث
٢-١ كيف نفذ الله عمله في البعث
البعث هو العملية التي يتم من خلالها إرجاع الإنسان الهابط الى الوضع الأصلي المقرر من الله. وعليه فإن عناية البعث هي عناية الرجعى والإصلاح. بما ان الرجعى والإصلاح هي العمل الإلهي لإعادة الخلق، فإن البعث هو عملية إعادة خلق. عليه فإن عناية البعث تتم وفقاً لمبدأ الخلق متبعة النمط التالي:-
اولاً، في تاريخ عناية البعث، غالبية الذين كلفهم الله بأداء مهمة معينة بذلوا جهداً مخلصاً وعملوا بكل ايمان لتحقيق إرادة السماء. وبالرغم من انهم قد لا يكونوا ادوا كل مسئولياتهم، ولكن بتفانيهم المخلص عملوا على توسيع القاعدة التي من خلالها تستطيع الأجيال التالية إقامة علاقة حب مع الله. نسمي هذه القاعدة ميزة العصر في عناية الله للرجعى والإصلاح. ميزة العصر تزداد بتناسب مع قاعدة المحبة التي يضعها الأنبياء، الحكماء والأبرار الذين سبقونا، ولذا فإن البعث يتم تنفيذه استناداً على ميزة العصر.
ثانياً، استناداً على ناموس الخلق، فإن مسئولية الله هي خلق الإنسان وإعطاؤه كلمته، ونصيب الإنسان من المسئولية هو الوصول الى الكمال بالإيمان والعيش وفقاً لهذه الكلمة. وبالمثل، اثناء تنفيذ عناية البعث، فإن مسئولية الله هي إعطاؤنا كلمته وتوجيهه، ومسئوليتنا هي الإيمان و تطبيق الكلمه لأجل تحقيق عنايته.
ثالثاً، استناداً على ناموس الخلق، فإن روح الإنسان لا تصل الكمال إلا عبر نموها في نفس جسدية. وبالمثل في عناية البعث، فإن البعث لا يتم إلا من خلال الحياة الأرضية.
رابعاً، واستناداً على ناموس الخلق، فإن الإنسان يصل الكمال عبر اجتيازه للمراحل الثلاث لفترة النمو، وعليه فإن عناية البعث للإنسان الهابط لابد ان تكتمل عبر المراحل الثلاث، وتظهر في العصور الثلاثة لعناية الرجعى والإصلاح.
٢-٢ عناية الله لبعث الإنسان على الارض
٢-٢-١ العناية الإلهية لوضع قاعدة البعث
بدأ الله عنايته لبعث الإنسانية منذ عائلة آدم. ولكن العناية امتدت بسبب ان الذين اوكل إليهم إنجاز إرادة الله لم يحققوا مسئوليتهم. بعد ألفي سنة لاحقاً، حسب تقويم الكتاب المقدس، اختار الله ابراهيم ليكون ابا للإيمان، وعبره بدأ انجاز ارادته. وبالتالي فإن الألفي عام، من آدم وحتى ابراهيم، نتج عنها تأسيس قاعدة ليبدأ منها الله عناية البعث في العصور اللاحقة. ولهذا السبب فإننا يمكن ان نسمي هذه الفترة عصر العناية لوضع قاعدة البعث.
٢-٢-٢ العناية الإلهية لمرحلة التكوين من البعث
أثناء الألفي عام، من ابراهيم وحتى يسوع، عمل الله لرفع الإنسان لمرحلة التكوين من البعث. وعليه يمكن ان نسمي هذا العصر بعصر العناية الإلهية لمرحلة التكوين من البعث. كل الذين كانوا يعيشون على الارض اثناء هذا العصر يمكنهم ان يتلقوا ميزة العصر معتمدين على عمل الله في مرحلة التكوين من البعث. في هذا العصر اعطى الله شريعة العهد القديم. بالإيمان بها وتطبيقها، فإن الإنسان يكون قد انجز مسئوليته ويصبح مبرراً امام الله. وعليه سمي هذا العصر بعصر التبرر بالأفعال.
الإنسان في هذا العصر والذي طبق الشريعة في حياته اليومية يتم بعثه روحياً الى مرحلة التكوين، وتصبح روح مكونة. بعد موت هذا الإنسان الذي وصل الى مرحلة الروح المكونة على الارض يدخل ويستقر في مستوى الروح المكونة في عالم الأرواح.
٢-٢-٣ العناية الإلهية لمرحلة النمو من البعث
نتيجة لصلب يسوع، فإن البعث لم يكتمل، وإكماله تأجّل حتى وقت عودته. الألفي عام منذ ذلك التاريخ هي فترة الإمتداد، والتي عمل الله من خلالها لبعث الإنسان لمرحلة النمو عبر الخلاص الروحي. وعليه يمكن ان نسمي هذه الفترة عصر العناية الإلهية لمرحلة النمو من البعث. كل الذين عاشوا في هذا العصر يمكنهم تلقي نعمة و ميزة العصر بناء على عمل الله في البعث في مرحلة النمو. في هذا العصر يجب على الإنسان ان يؤمن بكلمة العهد الجديد، والتي اعطاها الله حتى يتمكن من تحقيق مسئوليته في العناية الإلهية ويمكن تبريره امام الله. وعليه نسمي هذا العصر بعصر التبرر بالإيمان.
أولئك الذين عاشوا في هذا العصر يتم بعثهم روحياً من خلال إيمانهم بالإنجيل اثناء حياتهم الدنيوية. وبعد ان يتم بعثهم الى مرحلة النمو، يصبحون ارواحاً حية. بعد موتهم كل الذين وصلوا الى مرحلة الأرواح الحية على الارض يدخلون ويستقرون في الفردوس، مستوى الأرواح الحية في عالم الأرواح.
٢-٢-٤ العناية الإلهية لمرحلة الإكتمال من البعث
هو العصر الذي يتم فيه بعث الإنسان على المستويين الروحي والمادي من خلال المسيح العائد وإكمال العناية الإلهية لمرحلة الإكتمال من البعث. وكل من يعيش في هذا العصر سينال ميزة العصر استناداً على عمل الله في بعث مرحلة الإكتمال. المسيح بمجيئه الثاني سيأتي بالحقيقة الجديدة ليتمكن من خلالها الوفاء بوعود العهد القديم والعهد الجديد، وهذه الحقيقة يمكن تسميتها العهد المكمل (اليوم الآخر ٥-١). الإيمان بهذه الحقيقة يوجب على الإنسان ان يخدم ويلازم المسيح على الارض حتى يتمكن من إنجاز مسوليته تجاه هذا العصر، عصر التبرر بالملازمة.
بالإيمان والخدمة والتفاني وملازمة المسيح، فإن إنسان هذا العصر يمكن ان يبعث تماماً على المستويين الروحي والمادي، ويصبح روحاً إلهية، ويعيش في ملكوت الله في الارض. بعد طرحه لجسده المادي، فإن روحه تدخل وتستقر في ملكوت الله في السماء، الذي هو مستوى الروح الإلهية من عالم الأوراح.
٢-٢-٥ ملكوت الله والفردوس
إن مفهوم ملكوت الله والفردوس غير واضح لبعض المتدينين لعدم فهمهم الناموس فهماً كاملاً. لو ان يسوع اكمل مهمته كمسيح على الارض لتأسس ملكوت الله على الارض في ذلك الزمن، ولأمكن تحقيق ملكوت الله في السماء في ذلك الوقت بمجرد انتقال كل من يحمل شخصية كاملة، وكان يعيش في ملكوت الله على الارض، الى عالم الروح كروح إلهية. ولكن بموت يسوع على الصليب لم يتحقق ملكوت الله على الارض، ولم ترَ الارض ابداً الإنسان الذي بلغ مرحلة الروح الإلهية، ولم يستطع اي فرد ان يصبح مواطن في ملكوت الله في السماء الذي خلقه الله كموطن صالح للأرواح الإلهية. وعليه فإن ملكوت الله في السماء ببقي فارغاً وغير مكتمل.
إذن لماذا قال يسوع ان كل من يؤمن به سيدخل ملكوت الله؟ إن الهدف الاصلي الذي جاء من اجله الى الارض هو تأسيس الملكوت الإلهي. ولكن وبسبب عدم إيمان الشعب به، مات يسوع على الصليب قبل ان يؤسس الملكوت. لقد وعد يسوع اللص الذي صلب على جانبه الأيمن بدخول الفردوس معه (لوقا ٢٣:٤٣). هذا اللص هو الشخص الوحيد الذي آمن بيسوع في النهاية، عندما رفضه الجميع.
عندما كان هنالك امل لدى يسوع في إنجاز مهمته كمسيح، كان يعلن ان الناس يمكن ان يدخلوا ملكوت الله، ولكنه عندما اصبح على الصليب دون تحقيق لهدفه، اخبر اللص انه سيدخل الفردوس فقط. الفردوس يشير الى المنطقة من عالم الأرواح المخصصة للارواح التي وصلت الى مرحلة الأرواح الحية من خلال الإيمان بيسوع اثناء حياتهم الارضية. وستبقى هذه الأرواح هنالك في انتظار اليوم الذي تفتح فيه ابواب ملكوت الله.
٢-٢-٦ الظواهر الروحية في الأيام الأخيرة
لقد هبط آدم وحواء من اعلى قمة مرحلة النمو، والآن قد تمت استعادة الكائنات البشرية الى قمة مرحلة النمو، عبر العناية الإلهية للرجعى والإصلاح، مروراً بعصر العهد القديم وعصر العهد الجديد. إن الأيام الأخيرة هي الوقت الذي يرجع فيه الإنسان الى المستوى الروحي الذي وصله اسلافه قبل الهبوط مباشرة. وهذا العصر، عصر الأيام الأخيرة، هو العصر الذي يصل فيه الإنسان في مختلف انحاء العالم لهذا المستوى. بما ان آدم وحواء قبل الهبوط كانا يتحدثان مع الله، ففي هذا العصر يستطيع الكثيرون الإتصال بالعالم الروحي. النبوءة التي تقول «ويكون في الايام الاخيرة اني اسكب روحي على بشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم، ويرى شبابكم رؤى، ويحلم شيوخكم احلاماً» (اعمال ٢:١٧) يمكن شرحها بناء على هذه الرؤية من الناموس.
في الأيام الاخيرة سيتلقى الكثيرون وحياً «انت هو المختار»، وهذا يقود هؤلاء خطأ للإعتقاد بأنهم المجيء الثاني للمسيح. لماذا ينحرفون بإعتقادهم هذا عن الطريق المستقيم؟
عندما خلق الله البشرية، فوضها لتحكم الكون (تكوين ١:٢٨). ولكن، وبسبب الهبوط، اصبح البشر غير قادرين على تحقيق هذه البركة. عندما يتم إرجاع الإنسان الهابط، عن طريق عناية الله للرجعى والإصلاح، الى قمة مرحلة النمو، فإنه يصل الى مستوى من الحب يمكن مقارنته بالمستوى الذي وصله آدم وحواء قبل هبوطهما. يعطي الله أُناساً بعينهم، وصلوا هذه المرحلة، وحياً بأن اي منهم هو المسيح اعترافاً منه بأنهم وصلوا الى مستوى من النضج يماثل ذلك الذي بارك فيه الكائنات البشرية واعطاها سيادة الكون.
المؤمنون في الايام الأخيرة الذين اهلهم إيمانهم الصادق لكي يتلقوا الوحي بأنهم هم «المسيح» يقفون في وضع مشابه لوضع يوحنا المعمدان. كانت مهمة يوحنا المعمدان تقويم الطريق امام يسوع (يوحنا ١:٢٣). وبالمثل، فإن هؤلاء المؤمنين اعطوا مهمة اعداد، كل في مجال مسئوليته، الطريق للمسيح عند مجيئه الثاني. ولكي يعملوا كممثلين للمسيح كل في مجاله، اعطاهم الله الوحي بأنهم هم «المسيح».
عندما يتلقى اي إنسان له القدرة على الاتصال الروحي وحياً بأنه هو «المختار»، عليه ان يتفهم هذه الظاهرة على ضوء تعاليم الناموس. عليه ألا يتعامل خطأ ويظن انه هو المسيح في مجيئه الثاني. لأنه ان فعل، فسوف يكون وكأنه قد لعب دور المسيح الدجال، لهذا السبب يحتوي الكتاب المقدس على كثير من النبوءات عن ظهور مسحاء كذبة في الأيام الأخيرة (يوحنا الأولى ٢:١٨).
غالبا ما يرتبك الوسطاء الروحيون ويقعون في تنازع بينهم، لأن مستويات عالم الروح التي يتصلون بها ومحتويات الوحي الذي يتلقونه مختلف (كورنثوس الأولى ١٥:٤١). بالرغم من ان الذين يمتلكون بصيرة روحية على اتصال بنفس عالم الأرواح، لكن لأن مواقعهم و ظروفهم تختلف و كذلك شخصيتهم، ذكاءهم ومقدرتهم الروحية تقع على مستويات مختلفة، فإن إدراكهم للعالم الروحي يكون بطرق مختلفة. هذه الإختلافات تؤدي الى نشوء النزاعات بينهم.
الذين يساعدون في العناية الإلهية للرجعى والإصلاح عادة يكونون مسئولين عن جزء يسير من العناية. لأنهم يركزون على علاقتهم العمودية مع الله، فهم في الغالب غير حساسين للعلاقة الأفقية مع الذين يتناغمون روحياً معهم. النزاع يمكن ان ينشأ بينهم لأن كل منهم يعتقد ان الإرادة التي يخدمها تختلف عن تلك التي يخدمها الآخرون. ويتعاظم النزاع بينهم عندما يتلقى كل منهم الوحي بأنه الافضل. يعطيهم الله هذا التشجيع لتحفيزهم حتى يبذل كل منهم افضل ما عنده لتنفيذ مهمته الخاصة داخل العناية الكبيرة. وقد اعطى الله هذا الوحي لأنه في الحقيقة اي منهم هو الأفضل في مهمته الخاصة.
إضافة الى انه عندما يصير الإنسان صاحب الإيمان المتفاني متفتحاً روحياً ويصل الى مستوى من الحب يمكن مقارنته بالمستوى الذي كان عليه آدم وحواء قبل الهبوط، يواجه اختباراً شبيهاً بالذي فشل آدم وحواء في تجاوزه، وإذا لم يكن حذراً فإنه من الممكن ان يرتكب خطأ الهبوط. انه لمن الصعب للغاية تجاوز هذا الإغراء بدون فهم الناموس. وللأسف الشديد فشل كثير من المؤمنين في تجاوز هذا الإختبار، مبطلين كل الإنجازات الحالية التي حصلوا عليها عبر سنوات من التفاني والمجاهدة.
كيف يمكن لمن حظوا بهذه المقدرات الروحية التغلب على هذه المشاكل؟ لإنجاز العناية الإلهية للرجعى والإصلاح في اقل وقت ممكن خصصت مهام مختلفة لأفراد عديدين. وربط الله نفسه بكل فرد منهم بصورة مستقلة. وعليه فإنه من الناحية العملية لابد ان تنشأ نزاعات بين الروحانيين. ولكن في نهاية التاريخ سيمنحهم الله الحقيقة الجديدة. الحقيقة الجديدة ستساعدهم على فهم ان المهام الفريدة التي كلف بها كل واحد منهم تصب جميعها في النهاية في الهدف الكلي لله. سوف تقودهم الى التعاون مع بعضهم البعض والعمل بتجانس لإنجاز الهدف العظيم للعناية الإلهية.
في هذا العصر، على كل الروحانيين ان يتركوا عنادهم وإصرارهم على انهم هم الأوصياء الذين يخدمون ارادة الله. وعليهم البحث عن كلمات الحقيقة العليا والشاملة التي تساعدهم في فهم موقعهم والطبيعة الحقيقية لموقفهم في مهام العناية الإلهية. عندها فقط يتمكنون من التغلب على الإرتباك النابع من الصراعات الأفقية السابقة. ويصل كل منهم الى تحقيق مساره الإيماني الخاص ويبلغ ثماره الجميلة.
٢-٢-٧ البعث الأول
البعث الأول، والذي تحدث عنه الإنجيل يصف تحقيق الرجعى والإصلاح لاول مرة في تاريخ العناية الإلهية، وهذا ما سيتم إنجازه عبر المسيح في مجيئه الثاني. سوف يطهر الإنسان من الخطيئة الاولى ويرجعه الى نفسه الاصلية الحقيقية ليتمكن من تحقيق الهدف من خلقه.
ان امل كل المسيحيين هو المشاركة في البعث الاول، ولكن في الحقيقة من سيشارك؟ إنهم اول من آمن ولازم وتبع المسيح في مجيئه الثاني. الذين يساعدونه على تحقيق كل شروط الكفارة على مستوى العالم، وإنجاز عناية الرجعى والإصلاح. وفي هذه العملية يكونون هم اول من تمت إزالة خطيئته الأولى، ليصبحوا ارواحاً إلهية، محققين هدف الخلق.
بعد هذا فلنبحث في معنى ١٤٤٠٠٠ التي ذكرت في الكتاب المقدس (روؤيا ١٤:١-٤، ٧:٤).
لكي يتمكن المسيح عند مجيئه الثاني من إكمال العناية الإلهية للرجعى والإصلاح، لابد ان يجد عدد معين من الناس يمكنهم إصلاح مهام كل القديسين السابقين عن طريق الكفارة، اولئك الذين رغم ما بذلوه من جهد جيد لإنفاذ ارادة الله، سقطوا فريسة الشيطان عندما فشلوا في مسئوليتهم. ولابد ان يجد هذا العدد من الناس اثناء حياته الارضية ويضع قاعدة النصر على العالم الشيطاني. العدد الكلي للقديسين والذين لابد ان يجدهم المسيح عند مجيئه الثاني لإنجاز عمله هو ١٤٤٠٠٠.
في مسار العناية الإلهية للرجعى والإصلاح، كان ليعقوب اثني عشر ابناً بدأ بهم مهمته لإستعادة الأسرة. قاد موسى اثني عشر قبيلة في مهمته لإستعادة وطن. اذا تم ضرب هذه القبائل الأثني عشر مرة اخرى على نمط اثني عشر قبيلة فإنها تعطي ١٤٤. يسوع الذي مهمته استعادة العالم، وجد اثني عشر حوارياً لكي يتمكن عبر الكفارة من إستعادة الرقم ١٤٤، على المستويين الروحي والمادي. ولكن، وبسبب صلبه، تمكن يسوع من استعادته روحياً فقط. كان ليعقوب اثني عشر ابناً من اجل ان يستعيد عبر الكفارة وفي اثناء حياته المسار العمودي لاثني عشر جيلاً منذ نوح، والتي طالب بها الشيطان (الفترات ٢-٢). وبنفس الطريقة، فإن المسيح عند مجيئه الثاني لابد ان يستعيد عبر الكفارة، وفي اثناء حياته، على المستويين الروحي والمادي، مسار تاريخ العناية الإليهة الطويل منذ المجيء الأول للمسيح، والذي وضع النموذج الروحي ل١٤٤ قبيلة. ولإنجاز هذا لابد من إيجاد رقم المؤمنين المطلوب والذي يماثل الرقم ١٤٤.
٢-٣ العناية الإلهية لبعث الارواح
٢-٣-١ هدف واسلوب البعث الرجوعي
وفقاً لناموس الخلق، فإن نمو روح الإنسان يحتاج الى نوعين من الغذاء: عناصر حية تتلقاها من الله، وعناصر حيوية تتلقاها خلال عملية العطاء والأخذ مع النفس الجسدية. الارواح لا يمكن ان تنمو او تبعث بعيداً عن النفس الجسدية. وعليه فإن ارواح الذين ماتوا قبل ان يبلغوا الكمال اثناء حياتهم الدنيوية لا يتم بعثها إلا بعودتهم الى الارض وإتمامهم للمسئولية التي لم يتمكنوا من إنجازها من خلال التعاون مع اناس على الارض. يتم ذلك بمساعدتهم لمؤمنين يعيشون على الارض في تحقيق مهامهم، حيث يمكن للأرواح ان تكمل مهامها في ذات الوقت، وهنا يكمن المعنى وراء الآية التي تتنبأ عن قدوم السيد «و عشرات الألوف من قديسيه» (يهوذا ١٤). تسمى هذه العملية البعث الرجوعي.
كيف يمكن للأرواح ان تساعد من في الارض لتحقيق إرادة الله؟ عندما يصبح الإنسان مستقبلاً للارواح عبر الصلاة او اي انشطة روحية اخرى، تنزل الأرواح إليه لتكون قاعدة مشتركة مع نفسه الروحية وتعمل معها. تقوم الارواح بعدة اعمال، فمثلاً تقوم بصب نار روحية على انسان الارض وتعطيه القوة لعلاج الامراض. وتساعد الإنسان على الدخول في حالة من النشوة وادراك حقائق جديدة عن عالم الارواح. ويمكن ان تعطي الإنسان إلهاماً وموهبة التنبوء. ويمكنها ايضاً إعطاؤه إلهاماً روحياً عميقاً. في كل هذه الأعمال المختلفة تعمل الروح نيابة عن الروح القدس موجهة وقائدة لإنسان الأرض لإنجاز ارادة الله.
٢-٣-٢ البعث الرجوعي لأرواح المسيحيين و»المؤمنين بالله»
٢-٣-٢-١ البعث الرجوعي في مرحلة النمو
ان الذين اتبعوا شريعة موسى وعبدوا الله بإخلاص اثناء حياتهم الارضية في عصر العهد القديم استقرت ارواحهم في مرحلة الارواح المكونة في عالم الارواح. بعد مجيء يسوع عادت هذه الارواح الى الارض وساعدت المؤمنين في الارض على إنجاز ارادة الله. بمساعدتهم للناس للحصول على مستوى الروح الحية، فإنهم ايضاً حصلوا على نفس الميزة. أي اصبحوا ارواحاً حية ودخلوا الفردوس. نسمي هذا التدبير مرحلة النمو للبعث الرجوعي.
لنأخذ بعض الأمثلة من الكتاب المقدس. بما ان ايليا ظهر على هيئة روح امام يسوع وحوارييه (متى ١٧:٣)، فيتضح لنا بجلاء ان ايليا كان يعيش في عالم الأرواح. ولكن اشار يسوع الى يوحنا المعمدان، الذي يعيش على الارض، على انه ايليا (متى ١٧:١٢-١٣). دعاه يسوع بإيليا لأن مهمتهما مشتركة. كان جسد يوحنا يعمل في نفس الوقت كجسد لإيليا. نزلت روح إيليا على يوحنا المعمدان لمساعدته في تحقيق مهمة ايليا التي لم يكملها اثناء حياته الارضية. هذا هو البعث الرجوعي لإيليا.
مكتوب في الكتاب المقدس انه عند موت يسوع على الصليب خرجت اجساد الكثير من القديسين من قبورها (متى ٢٧:٥٢). هذه الآية لا تعني ان اجساد القديسين المتحللة قد نفخت فيها الحياة مجدداً وعادوا الى الحياة بأجسادهم. ولكنها تصف الظواهر الروحية للبعث الرجوعي. نزلت ارواح اليهود المؤمنين الى الارض من مستوى الروح المكونة في عالم الأرواح، حيث كانت تعيش. عادوا لمساعدة المؤمنين على الارض، الذين لديهم فرصة الاستفادة من الفداء بالصليب، ليؤمنوا بيسوع ويصبحوا ارواحاً حية. وفي هذه الحالة الأرواح العائدة تصبح ايضاً ارواحاً حية.
اذا ان القديسون قد قاموا بأجسادهم من قبورهم، كما هو مكتوب حرفياً في الكتاب المقدس، فإنه من المؤكد انهم سيشهدون بحقيقة ان يسوع هو المسيح. عندها هل يتجرأ اي فرد بالإستمرار في تكذيبه؟ إضافة الى ان اقوالهم وافعالهم سيتم تسجيلها في الكتاب المقدس، ولكن ليس لدينا غير تقرير مبهم عن خروج القديسين من القبور. وهذه ظاهرة روحية سريعة الزوال يدركها فقط المؤمنون الذين تفتحت حواسهم الروحية.
مقارنة بالجنة التي يدخلها الناس بفضل الفداء الذي حققه يسوع على الصليب، فإن المنطقة من عالم الارواح التي تستقر فيها ارواح قديسي العهد القديم تبدوا نسبياً مظلمة وبائسة وعليه تسمى «القبر».
٢-٣-٢-٢ البعث الرجوعي في مرحلة الإكتمال
ارواح المؤمنين بيسوع اثناء حياتهم الارضية في عصر العهد الجديد اصبحت ارواح حية ودخلت الفردوس بعد الموت. بعد المجيء الثاني، سترجع هذه الارواح جميعها الى الارض لمساعدة الناس للإيمان وملازمة المسيح العائد. بهذه الطريقة يساعدون الناس على الارض للوصول الى مستوى الروح الإلهية، وهذه الارواح ايضاً ستتلقى نفس الفائدة وتصبح ارواحاً إلهية. عندما ينتقل قديسو الارض الى العالم الآخر ويدخلون ملكوت الله في السماء، فإن الارواح الراجعة ايضاً تدخل الملكوت. هذا التدبير يسمى مرحلة الإكتمال من البعث الرجوعي.
في هذا التدبير، لا تساعد الأرواح الناس على الارض فقط، الناس على الارض ايضاً يساعدون في بعث الارواح.
لنوضح الآية التالية: فهؤلاء كلهم مشهود لهم بالإيمان [كل قديسي العهد القديم] لم ينالوا الموعد [الإذن لدخول ملكوت الله] إذ سبق الله فنظر لنا [الناس على الارض] شيئاً افضل [ملكوت الله]، لكي لا يكملوا [الارواح] [ليصبحوا مواطني ملكوت الله] بدوننا [الناس على الارض] (عبرانيين ١١:٣٩-٤٠). مع هذا التوضيح يمكن ان نفهم ان هذه الآية ترسم بدقة البعث الرجوعي. إنها توضح ان الأرواح التي تعيش في عالم الأرواح لا يمكن ان تحصل على الكمال بدون تعاونها مع الناس على الارض. إضافة الى انه مكتوب «كل ما تربطونه في الارض يكون مربوطاً في السماء، وكل ما تحلونه على الارض يكون محلولاً في السماء» (متى ١٨:١٨). هذه الآية تعلمنا انه ما لم يقم المؤمنون على الارض بحل ما هو مربوط، فإن الارواح ايضاً لا يمكن ان تحل ما هو مربوط فيهم.
بما ان الأرواح يتم بعثها فقط من خلال التعاون مع المؤمنين على الارض الذين نزلت فيهم، لذلك أعطى يسوع مفاتيح ملكوت الله لبطرس ممثل المؤمنين على الارض، حتى يفتح ابواب ملكوت السماء على الارض (متى ١٦:١٩).
٢-٣-٣ البعث الرجوعي للأرواح المستقرة خارج الفردوس
هنالك درجات متفاوتة للارواح المستقرة خارج الفردوس، ولكل وسيلته للحصول على البعث الرجوعي. اولاً لنوضح البعث الرجوعي للارواح التي كانت تؤمن بأديان اخرى اثناء حياتها. إن اي شخصين يريدان العمل من اجل هدف واحد لا بد لهما ان يكونا قاعدة مشتركة مع بعضهما البعض. الناس على الارض والارواح يمكن ان يعملوا معاً لتحقيق هدف العناية الإلهية عندما يكونون اولاً قاعدة مشتركة. وعليه فإن الروح التي ترجع الى الارض من اجل بعثها تبحث عن نظير لها بين الناس على الارض يكون له نفس الديانة التي كانت لتلك الروح اثناء حياتها الارضية. تنزل الروح على الشخص الذي اختارته وتوجهه. عندما تساعد الروح هذا الشخص لتحقيق هدف العناية الإلهية للرجعى والإصلاح، فإن الإثنين يتلقيان نفس الإمتياز.
ثانياً لنوضح البعث الرجوعي للأرواح التي عاشت بضمير حي رغم عدم إيمانها بأي دين. لا احد بين الإنسانية الهابطة يحوي الصلاح الكامل داخله، لأنه ما من احد ازال الخطيئة الاولى من نفسه، وعليه، الروح الخيرة هي التي تحتوي داخلها على درجة من الصلاح اكثر نسبياً من الروح الشريرة. هذه الارواح الخيرة تنزل على الخيرين في الارض وتتعاون معهم من اجل مساعدتهم لتحقيق العناية الإلهية للرجعى والإصلاح. وفي هذه العملية تتلقى الأرواح نفس الإمتيازات التي تلقاها الخيرون الذين تساعدهم.
ثالثاً: لنوضح البعث الرجوعي للأرواح الشريرة. نقرأ في الكتاب المقدس عن «الملعونين» المعرضين الى «النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته» (متى ٢٥:٤١). ملائكته هنا تشير الى الأرواح الشريرة التي تعيش وتعمل تحت سيطرة الشيطان. ان المخلوقات الروحية المعروفة بالأشباح، والتي اشكالها وهويتها غير واضحة، ليست إلا ارواح شريرة. حتى الأرواح الشريرة يمكنها ان تتلقى امتياز العصر بالرجوع الى الارض، ولكن افعال هذه الارواح الشريرة لا تثمر ولا تؤدي الى مزايا البعث الرجوعي دائماً.
لتلقي هذه المزايا لابد ان يكون لأفعالها الأثر العقابي للأحياء على الارض لمساعدتهم في عمل الشروط الضرورية للتفكير عن فشلهم الذي احبط المجهودات الإلهية الماضية لتخليصهم من خطاياهم. كيف يمكن لأفعال الارواح ان تؤدي الى طرح الدينونة نيابة عن السماء؟
فلنأخذ مثالاً، لنفرض ان شخصاً ما يعيش على الارض، والذي استناداً على امتياز العصر على وشك التخرج من مجال امتياز العصر الذي هو فيه لمجال اعلى. لن يتمكن من التخرج الى المجال الجديد ما لم يقم بأداء بعض شروط الكفارة لإزالة خطايا الماضي. في حالة التخرج من مجال الاسرة الى مجال العشيرة، لابد للشخص من ان يدفع ديون الخطيئة له ولأسلافه في العشيرة. يسمح الله للارواح الشريرة بتعذيبه كعقاب لهذه الخطايا. فإذا تحمل برضا المعاناة التي وجدها من هذه الارواح الشريرة وتجاوزها، فإنه يكون قد نجح في دفع الكفارة عبر هذا الشرط، وعليه يكون مهيأ للدخول في مجال اعلى من مجالات امتياز العصر على مستوى العشيرة. الارواح الشريرة التي عذبته تتلقى ميزة او فائدة للعناية الإلهية للرجعى والإصلاح من مستوى الاسرة الى مستوى العشيرة، الى مستوى الامة والى مستوى العالم. كلما تخرجت الإنسانية الى مستوى اعلى، يكون على الشخص الذي يتولى قيادة العناية الإلهية ان يؤدي شروطاً للكفارة لإزالة الخطايا التي ارتكبها هو واسلافه.
ان اعمال الارواح الشريرة ربما تساعد الشخص على الارض في تحقيق شروط الكفارة لتطهير نفسه من الخطايا بطريقتين.
اولاً، ربما تزعج الروح الشريرة الشخص على الارض مباشرة. ثانياً، ربما تنزل الروح الشريرة على النفس الروحية لشخص آخر يعيش على الارض يكاد ان يرتكب خطيئة تشبه خطيئة الشخص المطلوب عقابه، وتعمل من خلال الشخص الثاني على مهاجمته.
وفي الحالتين اذا تحمل الشخص الذي على الارض هذه المعاناة برضا وتقدير، فإنه يكون قد ادى شرط الكفارة لتطهير خطاياه وخطايا اسلافه. عندها تتم إزالة هذه الخطيئة و يدخل المجال الأعلى في امتياز العصر والذي اصبح متاحاً في العصر الجديد. وعليه فإن افعال الارواح الشريرة تطرح الدينونة عن الشخص لأخطائه نيابة عن السماء. وبالتالي تتلقى الروح نفس الفائدة التي تلقاها الشخص على الارض، حيث تدخل ايضاً المجال الأعلى لامتياز العصر.
٢-٤ نظرية التناسخ على ضوء ناموس البعث الرجوعي
في البحث عن تحقيق الهدف الشامل للعناية الإلهية للرجعى والإصلاح، دعا الله عدد كبير من الأفراد واعطى كل منهم مهمة مناسبة. هؤلاء الافراد اعطوا مهامهم الخاصة لافراد آخرين لهم شخصيات واحوال متشابهة. وتدريجياً يتم تحقيق جزء من المهمة عبر المسار الطويل للتاريخ.
بدأت عناية الله للرجعى والإصلاح بالفرد، وامتدت الى الاسرة، الامة والعالم، وفي النهاية ستتم الرجعى والإصلاح في السماء والارض. بالرغم من ان المهمة التي تعطي لكل فرد تعتبر جزءاً من الكل الكبير، إلا انها تنتشر تبعاً لهذا النمط. تبدأ اي مهمة من المستوى الفردي، ويمتد مجالها الى الاسرة، الامة ومستوى العالم. ولنأخذ مثالاً من الكتاب المقدس. بدأت المهمة بإبراهيم على المستويين الفردي والأسري، وانتقلت الى موسى على مستوى الامة، وبعدها الى يسوع على مستوى العالم.
الارواح التي لم تكمل مهمتها اثناء حياتها الارضية، لابد ان تعود لأناس على الارض يشاركونها نفس نوع المهمة التي كانت لهم اثناء حياتهم. عندما تساعد الأرواح شخصاً على الارض لتحقيق ارادة الله، فإن الشخص لا يحقق مهمته الخاصة فقط، ولكن ايضاً مهمة الروح التي ساعدته. آخذين في الاعتبار وجهة نظر المهمة، فإن النفس الجسدية للشخص الحي على الارض تعمل في نفس الوقت كنفس جسدية للروح التي في عالم الأرواح، وهو بمعنى ما المجيء الثاني لتلك الروح، ولذلك قد يُدعى احياناً باسمها، ويظهر كأنه تناسخ لتلك الروح.
في الكتاب المقدس، كان على يوحنا المعمدان تحقيق المهمة التي تركها إيليا غير مكتملة اثناء حياته الأرضية، لأنه تلقى مساعدات من إيليا في تنفيذ نشاطه. دعا يسوع يوحنا «ايليا» لأن النفس الجسدية ليوحنا كانت في نفس الوقت جسداً لإيليا (البعث ٢-٣-٢-١).
في الأيام الأخيرة سيتم تكليف عدد من الناس بمهام على مستوى العالم، عليهم ان يرثوا وان يكملوا مسئوليات كل الارواح في الماضي والتي كانت مكرسة لنفس المهمة. هذه الارواح ستنزل على هؤلاء الناس وتساعدهم حتى تتمكن من إكمال عملها غير المكتمل. وبما ان هؤلاء الناس على الارض هم المجيء الثاني لهذه الارواح المُوَجِّهة، فقد يعتقدون انهم تناسخاً لها. وعليه نجد في الأيام الأخيرة من يدعي انه المجيء الثاني ليسوع، بوذا مايتريا، كونفوشيوس، شجرة الزيتون او شجرة الحياة. ان تعاليم الهندوس والبوذيين عن التناسخ تفسر هذه الظاهرة الخارجية، ولكن دون معرفة ناموس البعث الرجوعي.