دراسة الناموس وممارسته
إشاراتي المرجعية

لا توجد لديك إشارات مرجعية بعد.

الباب الأول. العناية الإلهية للرجعى و الإصلاح في أسرة آدم

على الرغم من أن الهبوط كان سببه فشل الإنسان، إلا أن الله قد شعر بالمسئولية لإنقاذ الإنسانية الهابطة (المسيح ٢‎-‎١). لذلك بدأ الله مباشرة عنايته لإصلاح الناس الهابطين عن طريق أسرة آدم التي كلفت بوضع القاعدة للمسيح.

بسبب علاقة الدم بين آدم و الشيطان، كان موقعه في الوسط بين الله و الشيطان (الرجعى و الإصلاح ١‎-‎١). لكي يتطهر الإنسان الواقف في منتصف الطريق، و يقف إلى جانب الله و يقيم قاعدة للمسيح، عليه أن ينجز شرط تعويضي. بالتالي لكي تكتمل عناية الرجعى في أسرة آدم، كان على أفراد أسرته القيام ببعض شروط التعويض لاستعادة قاعدة الإيمان و القاعدة الجوهرية. على هاتين القاعدتين تؤسس القاعدة للمسيح، و يكون من الممكن للمسيح أن يظهر في أسرة آدم.

١‎-‎١ قاعدة الإيمان

لاستعادة قاعدة الإيمان عن طريق التعويض على الإنسان الهابط أن يقيم موضوعا لشرط التعويض. بسبب عدم إيمانه، فقد آدم كلمة الله التي أعطيت له لكي ينجز الشرط المطلوب لتأسيس قاعدة الإيمان. لقد هبط إلى المكان الذي لم يعد يستطيع فيه أن يتلقى كلمة الله مباشرة. و بالتالي لكي يستعيد قاعدة الإيمان، على آدم أن يقدم، بإيمان و بالطريقة المقبولة عند الله، موضوعا للشرط تعويضا عن كلمة الله. هذا الموضوع بالنسبة لأسرة آدم هو قربان التضحية.

لاستعادة قاعدة الإيمان، لا بد من شخصية مركزية. ربما توقعنا أن تكون هذه الشخصية المركزية هي آدم نفسه. ربما بدا لنا أن آدم نفسه هو الذي عليه تقديم الأضحية، و أن نجاحه أو فشله في وضع قاعدة الإيمان يحدده نجاحه في حسن تقديم القربان.

لكننا لا نجد في الكتاب المقدس أي ذكر لتقديم آدم لقربان. بدلا عنه قدمه إبناه، قابيل و هابيل. ما هو السبب في ذلك؟

تبعا لناموس الخلق، خلق الإنسان ليخدم سيدا واحدا (متى ٦‎:‎٢٤). لا يمكن لله أن يقيم عنايته تبعا للناموس مع شخص يخدم سيدين. إذا قبل الله آدم و قربانه، سيستخدم الشيطان رابطة الدم التي تربطه بآدم كشرط يعمل من خلاله مدعيا ملكيته لآدم و قربانه. في هذه الحالة سيوضع آدم في موقع غير مؤسس إلهيا، حيث يخدم سيدين، الله و الشيطان. بما أن الله لا يقيم مثل هذا التدبير غير الإلهي، لذلك اتخذ مساراً يقسم فيه آدم رمزيا، لأنه جسد الخير و الشر معا، إلى كائنين أحدهما يمثل الخير و الآخر يمثل الشر و هذا تنظيم يتسق مع الناموس. لهذا السبب أعطى الله آدم ولدين، يمثلان الخير و الشر، و وضعهما في مواقع بحيث يخدم كل منهما سيدا واحدا، الله أو الشيطان. بعد أن وضع الله تلك التجهيزات، أمر ابني آدم بتقديم قرابين كل على حدة.

قابيل و هابيل كلاهما ابنا آدم. أيهما يمثل الخير و يرتبط بالله، و أيهما يمثل الشر و يتفاعل مع الشيطان؟

قابيل و هابيل كلاهما ثمرة هبوط حواء، لذلك يتحدد مقامهما النسبي تبعا لمسار الهبوط. لقد اكتمل هبوط حواء من خلال علاقتين مختلفتين من الحب الحرام. الأولى هي الهبوط الروحي من خلال حبها مع رئيس الملائكة. الثانية هي الهبوط الجسدي من خلال حبها مع آدم.

قطعا، العلاقتان كلاهما فعل هابط، لكن نسبيا العلاقة الثانية أقرب لخط الناموس و أكثر قابلية للغفران من الأولى. إن فعل حواء الهابط الأول كان دافعه هو رغبتها الجامحة في الاستمتاع بشيء لم يحن زمن الاستمتاع به، و لتنفتح عيناها، مثل الله (تكوين ٣‎:‎٥). هذه الرغبة قادتها لإكمال علاقة حب غير صحيحة من الحب الجنسي مع رئيس الملائكة. نسبيا الخطوة الثانية لهبوط حواء كان دافعها هو شعورها القلبي للعودة إلى أحضان الله بعد أن أيقنت بأن علاقتها الهابطة الأولى كانت محرمة. هذه الرغبة قادتها لإكمال علاقة مع آدم، زوج المستقبل حسب الناموس، على الرغم من أن الله لم يسمح بها بعد (الهبوط ٢‎-‎٢).

إن قابيل و هابيل كلاهما ناتج عن حب حواء الحرام، و ميز الله بينهما على أساس الفعلين المحرمين، الذين ارتكبتهما حواء. و تبعا لذلك وضع قابيل و هابيل في موضعين متضادين. بمعنى آخر، بما أن قابيل هو الثمرة الأولى لحب حواء و هو يرمز إلى عمل حواء الهابط الأول مع رئيس الملائكة فقد تم اختياره ليمثل الشر. و عليه كان في موقع يرتبط فيه بالشيطان. و بما أن هابيل هو الثمرة الثانية لحب حواء و هو يرمز إلى عملها الهابط الثاني مع آدم، لذلك تم اختياره ليمثل الخير، و بذلك كان في موقع يرتبط فيه بالله.

من جانبه، فرض الشيطان سيطرته على الخليقة، و التي خلقها الله على أساس الناموس، و أسس عالما غير مؤسس على الناموس الإلهي، عالم لا يشبه العالم الذي أراده الله إلا في شكله الخارجي. في العالم الأول الأصيل كانت إرادة الله هي أن يرعى و يربي الابن الأكبر و يعطيه ميراث الابن البكر. لذلك يشعر الشيطان برابطة أقوى مع الابن الأكبر أكثر مما يشعر به مع الابن الأصغر. بما أن الشيطان قد استولى على الكون، فقد نافس الله في الابن الأكبر، قابيل، و الذي كان أكثر قيمة بالنسبة له. اختار الله التعامل مع هابيل، لأن قابيل لديه ارتباط قوي مع الشيطان.

الكتاب المقدس يشهد على التمييز بين الابن البكر و الابن الثاني. فمثلا، قال الله لقابيل «إن لم تحسن فعند الباب خطيئة رابضة» (تكوين ٤‎:‎٧). ربما أمكننا أن نفهم من ذلك أن قابيل لديه أساس يربطه بالشيطان.

عندما كان الإسرائيليون على وشك الهروب من مصر، ضرب الله المواليد البكر للمصريين، حتى المواليد البكر لمواشيهم (خروج ١٢‎:‎٢٩)، ذلك لأن المصريين كانوا خاضعين للشيطان و وقفوا في موقع قابيل. عندما كان الإسرائيليون عائدين إلى أرض الميعاد، لم يسمح بحمل تابوت العهد إلا لأبناء لاوي، الذين كانوا في موقع الابن الأصغر، هابيل (عدد ١‎:‎٥٠‎–‎٥٣، تثنية ٣١‎:‎٢٥).

مكتوب أن الله قد أحب يعقوب، الابن الثاني، و أبغض الابن البكر، عيسو، حتى حين كانا في رحم أمهما (رومية ٩‎:‎١١‎–‎١٣). لقد وضعا في موضع قابيل أو هابيل لسبب أساسي هو تمييز الابن البكر. عندما كان يعقوب يبارك حفيديه أفراييم و منسَّي، فقد خلف يديه ليضع اليمين على رأس أفراييم، الابن الثاني في مقام هابيل، لكي يعطيه البركة الأولى و الكبرى (تكوين ٤٨‎:‎١٤).

تبعا لهذه الأسس، أقام الله قابيل و هابيل في موضع يستطيع فيه كل واحد منهما أن يتعامل مع سيد واحد، ثم طلب منهما أن يقدما قرابين (تكوين ٤‎:‎٣‎–‎٥).

عندما قدم قابيل و هابيل قربانيهما، «فنظر الرب إلىهابيل و قربانه، و لكن إلى قابيل و قربانه لم ينظر» (تكوين ٤‎:‎٤). لِمَ قَبِلَ الله قربان هابيل، و لم يقبل قربان قابيل؟ لقد قبل الله قربان هابيل لأنه يقف في علاقة سليمة معه، و قد قدم قربانه بصورة مقبولة عنده (عبرانيين ١١‎:‎٤). بهذه الطريقة، وضع هابيل قاعدة الإيمان في أسرة آدم. و هذا دليل على أن الإنسان الهابط يمكنه أن يقدم قرابين مقبولة عند الله بشرط أن يفي بالشروط المطلوبة.

إن الله لم يرفض قربان قابيل لأنه يكرهه، و إنما لأن قابيل يقف في موقع مرتبط بالشيطان، و هذا يعطي الشيطان حقوقاً في قربانه. لا يمكن أن يقبل الله قربان قابيل إلا إذا قدم أولا شروطا تبرر قبوله. إن قصة قابيل تشرح لنا أنه إذا كان إنسان ما له علاقة بالشيطان و يريد أن يعود إلى جانب الله، يجب عليه أن يقدم شرط تعويضي.

ما هو شرط التعويض الذي كان على قابيل أن يفعله؟ إنه شرط التعويض لإزالة الطبيعة الهابطة.

١‎-‎٢ القاعدة الجوهرية

لو أن قابيل قد أنجز شرط التعويض لإزالة الطبيعة الهابطة، لقبل الله بسرور قربانه، و لكانت القاعدة الجوهرية قد وضعت في اسرة آدم. كيف كان لقابيل أن ينجز شرط التعويض لإزالة الطبيعة الهابطة؟

لقد هبط الإنسان الأول بالاستسلام لرئيس الملائكة، و الذي ورث منه الطبيعة الهابطة. لإزالة هذه الطبيعة الهابطة، على الشخص أن ينجز شرطا تعويضيا تبعا لناموس الإصلاح بواسطة التعويض، و ذلك بالسير في المسار المعاكس للطريقة التي اكتسب بها الطبيعة الهابطة.

لقد هبط رئيس الملائكة لأنه لا يحب آدم، بل هو يحسد آدم لأنه يتلقى حبا من الله أكبر مما كان يتلقاه. هذا هو سبب الصفة الأساسية الأولى للطبيعة الهابطة، و هي الفشل في أخذ وجهة نظر الله. لكي يزيل صفة الطبيعة الهابطة هذه، على قابيل الذي يقف في مقام رئيس الملائكة، أن يأخذ بوجهة نظر الله، و ذلك بأن يحب هابيل، الذي يقف في مقام آدم.

لقد هبط رئيس الملائكة لأنه لم يحترم آدم كوسيط بينه و بين الله، و رفض أن يتلقى حب الله من خلاله، بل سعى للاستيلاء على مقامه. ذلك هو السبب في الطبيعة الهابطة الثانية، و هي مغادرة الشخص لمقامه الصحيح. لإزالة صفة الطبيعة الهابطة هذه، على قابيل، الذي يقف في مقام رئيس الملائكة، أن يتلقى حب الله من خلال هابيل الذي يقف في مقام آدم، ويحترمه كوسيط إلى الله. و بذلك يحافظ قابيل على مقامه الصحيح.

لقد هبط رئيس الملائكة عندما ادعى ملكيته لحواء و آدم و سيادته عليهما، و اللذان هما سيداه الحقيقيان. هذا هو السبب في الطبيعة الهابطة الثالثة، و هي عكس نظام السيادة. لكي يزيل هذه الطبيعة الهابطة، كان على قابيل، الذي يقف في مقام رئيس الملائكة، أن يخضع نفسه طائعا لأخيه هابيل الذي يقف في مقام آدم. بقبوله سيادة هابيل يصحح قابيل نظام السيادة.

لقد أخبر الله آدم ألا يأكل من شجرة معرفة الخير و الشر، و كان على آدم أن يبلغ هذه الرغبة إلى حواء، و التي كانت بدورها عليها أن تبلغها لرئيس الملائكة، و بذلك يكثرون الخير. بدلا عن ذلك بلغ رئيس الملائكة إلى حواء رغبته الشريرة بإمكانية الأكل من الثمرة. حواء بدورها بلغت هذه الرغبة الشريرة إلى آدم و دلته للهبوط. هذا هو سبب الطبيعة الهابطة الرابعة : تكثير الشر. لإزالة هذه الطبيعة الهابطة، على قابيل، الذي يقف في مقام رئيس الملائكة، أن يقبل رغبات هابيل، الأقرب إلى الله، و أن يعرف منه رغبة الله، و بذلك يكون قابيل قد وضع القاعدة لتكثير الخير.

هنالك الكثير من الحالات في حياة الناس التي تشابه حالة قابيل و هابيل.

عندما ننظر في دواخلنا نجد أن أعماقنا ترغب في شريعة الله (رومية ٧‎:‎٢٢). و هي في موضع هابيل بينما جسدنا الذي يخدم شريعة الخطيئة (رومية ٧‎:‎٢٥) في موضع قابيل. يمكننا أن نكون خيرين فقط عندما يتبع جسدنا طائعا عقلنا الذي يوجهنا نحو الخير. و لكن غالبا ما يتمرد الجسد على أوامر العقل و يعيد (قياسا) قتل قابيل لهابيل. هكذا ينمو الشر في دواخلنا. و لهذا السبب تحتاج منا حياة التدين أن نخضع أجسادنا إلى أوامر عقلنا الأعلى، تماما كما كان على قابيل أن يخضع لهابيل و يتبعه.

يمكننا كذلك أن نلاحظ ذلك عند تقديم القرابين. بما أننا قد هبطنا إلى مقام هو «أخدع من كل شيء» (إرميا ١٧‎:‎٩) فإن الخليقة تقف في مقام هابيل. و لذلك يمكننا التقرب إلى الله عن طريق تقديمها كقرابين. لنعطي مثالا آخر، هنالك رغبة عامة للبحث عن القيادة الخيرة و الأصدقاء الصالحين، و هي نابعة عن رغبتنا الدفينة في التقرب إلى الله من خلال شخص هابيلي يكون أقرب إلى الله. يمكننا أن نصير أقرب إلى الله عن طريق الاتحاد معه.

إن الإيمان المسيحي يعلمنا أن نكون ودعاء و متواضعين. بهذه الطريقة يمكننا أن نقابل الشخصية الهابيلية التي تناسبنا، و بذلك نضمن الطريق الذي يقربنا من الله. في العلاقات الاجتماعية، و على كل المستويات، من تلك التي بين الأفراد إلى العلاقات التي بين الأسر و الجماعات و المجتمعات و الأمم و العالم، نجد أن هنالك جناح يلعب دور هابيل و آخر يلعب دور قابيل. لكي يعود أي مجتمع على كل المستويات إلى الحالة التي يريدها الله، يجب على أولئك الذين في مقام قابيل أن يحترموا و يطيعوا أولئك الذين في مقام هابيل. لقد جاء يسوع إلى هذا العالم في مقام هابيل الذي يجب أن تخضع له كل الإنسانية و تتبعه. لهذا السبب قد قال «ليس أحد يأتي إلى الأب إلا بي» (يوحنا ١٤‎:‎٦).

لو أن قابيل استسلم لهابيل، و حقق بذلك شرط التعويض لإزالة الطبيعة الهابطة في أسرة آدم، لكانا قد أسسا القاعدة الجوهرية، و مع قاعدة الإيمان التي أسست في السابق لأمكن لأسرة آدم أن تضع القاعدة للمسيح. كان المسيح سيأتي إليهم و يستعيد قاعدة المراكز الأربعة الأولى الأصيلة، لكن بدلا عن كل ذلك قتل قابيل هابيل. بقتله لهابيل كرر قابيل خطيئة رئيس الملائكة، أي أنه سار في نفس الطريق الذي أدى إلى ظهور مميزات الطبيعة الهابطة. لذلك فشلت أسرة آدم في وضع القاعدة الجوهرية. بالتالي، لم تتحقق عناية الله في أسرة آدم.

١‎-‎٣ قاعدة مجيء المسيح في أسرة آدم

القاعدة للمسيح تؤسس أولا باستعادة قاعدة الإيمان عن طريق شروط التعويض، ثم بتأسيس القاعدة الجوهرية. بالنظر للتضحية المطلوبة، تستعاد قاعدة الإيمان بواسطة تقديم قربان رمزي مقبول. تستعاد القاعدة الجوهرية بواسطة تقديم قربان جوهري «ملموس» و مقبول. لنبحث في معنى و هدف القربان الرمزي و الجوهري.

إن البركات الكبرى الثلاث، و هي غاية الله من الخلق، تنجز عندما يكمل آدم و حواء شخصيتهما الفردية و يصيران زوج و زوجة. ثم يلدان أطفالا صالحين و ينشئان أسرة صالحة و يسيطران على العالم الطبيعي. لكن بسبب الهبوط ضاعت تلك البركات الثلاث. و طريقة استعادتها تحتاج منا أن نسير في المسار المعاكس. أولا لا بد من وضع قاعدة الإيمان بواسطة تقديم قرابين رمزية، و هذا يحقق شرط التعويض لاستعادة كل الخليقة، و كذلك يحقق شرط تعويضي لاستعادة الناس رمزيا. ثانيا لا بد من تأسيس القاعدة الجوهرية بتقديم قربان ملموس، و هذا يحقق شرط التعويض لاستعادة الأبناء، ثم الآباء. على هذا الأساس يمكننا أن نؤسس القاعدة للمسيح. يمكننا أن نفكر في معنى و هدف القربان الرمزي بطريقتين.

أولا و كما ناقشنا سابقا (الهبوط ٤‎-‎١)، فقد اكتسب الشيطان سيطرته على المخلوقات عن طريق سيطرته على سادتها الحقيقيين، البشر. لهذا السبب مكتوب «كل الخليقة تئن و تتمخض معا إلى الآن» (رومية ٨‎:‎٢٢). لذلك فإن أحد أهداف القربان الرمزي (من المخلوقات) هو تمكين الخليقة لكي تقف رمزيا كرفيق حقيقي منفعل لله. بذلك تحقق شرط التعويض لاستعادة عالم الطبيعة لعلاقته الأولى الأصيلة مع الله.

ثانيا بما أن البشر قد هبطوا إلى مقام أدنى من المخلوقات (إرميا ١٧‎:‎٩)، فلكي يعودوا ليقفوا أمام الله، عليهم أن يعودوا من خلال المخلوقات. و هذا ناتج من ناموس الخلق، إن الشخص يتقرب إلى الله بواسطة ما هو أقرب إلى الله منه. عليه فإن السبب الثاني لتقديم القربان الرمزي هو تحقيق شرط الكفارة لرجوع البشر رمزيا إلى الله.

من ناحية أخرى، فإن القربان الجوهري، هو قربان باطني. تبعا لترتيب و نظام الخلق، و الذي فيه خلق الله أولا المخلوقات كلها و بعد ذلك خلق الإنسان، فإن القربان الباطني لاستعادة البشر ينجز على أساس قربان رمزي مقبول. بعد أن يحقق القربان الرمزي شرط التعويض لاستعادة الخليقة و للاستعادة الرمزية للإنسان، يجب علينا أن نقدم القربان الجوهري (الفعلي الملموس)، و الذي يحقق شرط التعويض للاسترجاع الكامل للإنسان.

القربان الجوهري يعني تحقيق شرط التعويض لإزالة الطبيعة الهابطة. هذا مهم لرجوع الإنسان الفعلي إلى الله. القربان الجوهري يقدم بقيام شخص في مقام قابيل بتكريم شخص في مقام هابيل و يضعه في مقام أعلى منه كقربان. من خلال ذلك يحققان شرط التعويض لرجوعهما كأبناء خيرين. و في نفس الوقت يعتبر ذلك القربان شرط تعويض لاسترجاع والديهما. و بذلك يحقق القربان الجوهري ما ينتظره الله. كيف يمكننا أن نفهم شرط التعويض لاسترجاع الوالدين؟

لكي تُؤسَّس قاعدة للمسيح في أسرة آدم، كان على آدم أن يؤسس قاعدة الإيمان بتقديم القربان الرمزي. و لكن، و كما شرح سابقا، لم يستطع آدم أن يقدم القربان، لأنه لو حاول ذلك فإنه سيؤديه لله و الشيطان و سيتنافسان عليه، و هذا وضع مخالف للناموس.

أضف إلى ذلك سببا آخر من جهة الشعور القلبي، إن آدم الهابط هو عين الشخص الخاطئ الذي سبب الأسى و الحزن لقلب الله الذي سيستمر لآلاف السنوات. إنه لا يستحق أن يكون حبيبا لله يعمل معه بصورة مباشرة لتطوير عناية الرجعى. لذلك اختار الله ابن آدم الثاني، هابيل، و أمره أن يقدم قربانا. لقد حقق هابيل شروط الكفارة لاسترجاع كل الخليقة و الاسترجاع الرمزي للإنسان. لو أن قابيل و هابيل حققا شرط التعويض لاسترجاع الأبناء بتقديم قربان حقيقي ملموس و مقبول، لشاركهما أبوهما آدم في انتصارهما بوضع القاعدة الجوهرية. و بذلك لأسست أسرة آدم القاعدة لمجيء المسيح.

قبل القيام بتقديم القربان الجوهري، لا بد من اختيار الشخص المركزي للقربان، أي الشخص الذي سيُقَدّم كقربان. أمر الله هابيل أن يقدم القربان الرمزي لسببين : لكي يؤسس قاعدة الإيمان بدلا عن آدم. ثانيا، ليؤهله لكي يكون الشخص المركزي للقربان الجوهري.

كان على قابيل أن يحقق شرط التعويض لإزالة الطبيعة الهابطة، مع ذلك فإنه بموجب إنجازه هذا ستكون كل أسرة آدم قد حققت الشرط.

كيف يمكن أن يحدث هذا؟ يمكن مقارنة ذلك بحالة آدم و حواء اللذين كانا سيساعدان الله في تحقيق كل إرادته لو أنهما أطاعا كلمته. يمكننا أيضا مقارنته بحالة الشعب اليهودي في أيام يسوع، الذين كانوا سيساعدون يسوع لتحقيق إرادته لإنجاز الخلاص الكامل للإنسانية لو أنهم آمنوا به. لو أن قابيل خضع لهابيل و حقق شرط التعويض لإزالة الطبيعة الهابطة، لاعتبر كلا الابنين قد حققا شرط التعويض.

إن قابيل و هابيل هما ابنا آدم، يجسدان الخير و الشر، لو أنهما تحررا من قيود الشيطان بتحقيق شرط الكفارة لإزالة الطبيعة الهابطة، لانفصل آدم أبوهما كذلك عن الشيطان و لوقف في القاعدة الجوهرية. و بذلك تكون كل الأسرة قد وضعت القاعدة للمسيح. إن نجاح قابيل و هابيل في تقديم القربان الرمزي و القربان الجوهري يحقق شرط التعويض لاستعادة الوالدين.

عندما قدم هابيل أضحيته بطريقة مقبولة لدى الله، فإنه قد أنجز شرط الكفارة لاستعادة قاعدة الإيمان عند آدم، و أمَّنَ بقوة موقعه كشخص مركزي للقربان الجوهري. لكن عندما قتل قابيل هابيل، فقد كررا الهبوط، حيث قتل إبليس حواء روحيا. و كذلك لم يحققا شرط التعويض لإزالة الطبيعة الهابطة، و فشلا في تقديم القربان الجوهري. و بذلك لم يحققا لا القاعدة الجوهرية و لا القاعدة للمسيح. إن عناية الله لاستعادة أسرة آدم انتهت إلى الفشل.

١‎-‎٤ بعض الدروس من أسرة آدم

إن فشل العناية الإلهية لاسترجاع أسرة آدم يعلمنا شيئا عن قدر الله المشروط لإكمال مشيئته المطلقة المربوطة بنصيب الإنسان من المسئولية. منذ بداية الخلق، قدر الله أن تكتمل إرادته على أساس مشترك، يحقق فيه الله مسئوليته و يحقق فيه الإنسان نصيبه من المسئولية. لم يوجه الله قابيل و هابيل للكيفية التي يقدمان بها أضحياتهما بصورة لائقة لأن ذلك كان هو نصيبهما من المسئولية، كان على هابيل أن يساعد أخاه في الكيفية التي يقدم بها قربانه.

ثانيا، حتى بعد أن قتل قابيل هابيل، بدأ الله فصلا جديدا في عنايته برعايته لشيث بدلا لهابيل. و هذا يرينا أن الله قد قدر بصورة مطلقة أن إرادته ستتحقق في يوم من الأيام، حتى و إن كان تقديره فيما يخص الأفراد من البشر هو تقدير مشروط. كان الله قد قدر أن ينجح هابيل كشخص مركزي للقربان الجوهري اعتمادا على نصيبه من المسئولية (مسئولية هابيل). لذلك عندما لم يتمكن هابيل من إكمال مسئوليته، اختار الله شيث بدلا عنه و واصل جهوده لتحقيق إرادته، و التي قد قدر لها أن تنجز بدون نقصان.

ثالثا، من خلال قرابين قابيل و هابيل، يعلمنا الله أن على الإنسان الهابط أن يبحث دائما عن شخص من نوع هابيل. بتكريمه و طاعته و اتباعه يمكنه أن ينجز إرادة الله حتى و لو لم يفهم كل جوانبها.

إن العناية التي عمل الله لإكمالها من خلال أسرة آدم قد أعيدت مرات و مرات بسبب قلة إيمان البشر. و بالتالي يبقى هذا المسار كمسار للتعويض ينبغي علينا كلنا أن نسير فيه. و بذلك تمدنا عناية الله للإصلاح في أسرة آدم بالكثير من الدروس القيمة لتغذية إيماننا.